البغال في هذا الزمان.. نوعان بغل لا يحمل الا الذهب.. وبغل قدره ان يحمل الحطب. ذات يوم وقف البغل حامل الذهب بعد ان استعدت القافلة للرحيل، يعاير اخاه البغل حامل الحطب مزهوا عليه مفاخرا بانه لا يحمل الا الذهب وانه ذو قدر وشأن عند صاحبهما اما هو فلا يحمل الا الحطب وقدره احط من ان يهتم به.. بغل الحطب قانع وراض بقدره ويعيش في حدوده ويستمتع قدر الامكان بحياته وبعد ان ينهي عمله يظل طيلة النهار (يبرطع) هنا وهناك مغازلا بغلة او مستلقياً في شمس دافئة, بينما بغل الذهب متقوقع على نفسه, شامخ بأنفه لا يخالط احدا ولا يتحدث مع نظرائه من البغال ولا يبحث عن انيس او وليف خشية ان تطمع فيه بقية البغال او ان تأخذ منه بريق شهرته وحظوته عند صاحب البغال.. استعدت اذن القافلة لتعبر الصحاري والفيافي محملة بتجارتها وذهبها وحمل بغل الحطب حطبه وحمل بغل الذهب ذهبه وطيلة الطريق والبغلان لا يكفان عن الشجار والنقار, الأول يعتبر نفسه غنياً بحمولته والثاني في عداد الفقراء بحمولته, واذا هما يتشاجران حتى اغارت عصابات الطرق على القافلة وهاجمتها واخذت تسطو على تجارة القافلة عندما وقف قائد العصابة يتساءل أين اموال هذه القافلة؟ فأشار احدهم الى بغل الذهب الذي ما ان شعر بان العصابة تبحث عنه حتى ولى هاربا فارا بحمولته باعتبارها سر سعده وزهوه فما كان من العصابة الا ان اوسعته رشقا بالسهام ورميا بالسيوف حتى خر واقعا يصارع الموت واللصوص يستولون على الذهب ويطلبون الاجهاز عليه تماما عقابا له على محاولته الهرب بالذهب, وهنا جاءه بغل الحطب يودعه متأسيا حزينا.. فقال له البغل حامل الذهب عشت عمري حريصا على حمل الذهب ونسيت ان للحياة نهاية سواء حملت الذهب او حملت الحطب ليتني استمتعت بحياتي وعشتها كما فعلت انت فرد عليه بغل الحطب.. يا عزيزي هذه هي الدنيا.. الحطب فيها كالذهب.. المهم ماذا استفدت انت من الذهب او ماذا استفدت انا من الحطب والاهم من ذلك ما الذي استفاده الناس من كلينا..؟ وفي زماننا هذا كثرت بغال الذهب حتى كادت ان تغطي على بغال الحطب بعد ان اصبح الذهب غاية وهدفاً ومطلباً.. وحين تسير بسيارتك في الشارع يستوقفك احدهم يطلب منك ان تأخذه في طريقه ويصل بكما الحوار خلال الطريق الى ان يحكي لك ان الدنيا لا امان لها ولهذا فقد حرص على ان يمتلك الاراضي والعقارات والمحال التجارية, فضلاً عن سندات واسهم وأموال مكدسة في البنوك ثم يسألك فتقول له والله لا املك سوى هذه السيارة وادفع ايجار شقتي بانتظام واعلم ابنائي في الشتاء وانزههم في الصيف واعالجهم عند المرض ولا افارقهم ابدا في الحل والترحال فهم قدري وانا قدرهم يكون الطريق قد انتهى وينزل صاحبنا من سيارتك ليستوقف سيارة اخرى يكمل بها مشواره. عندها ستتأكد انك بغل الحطب بلا شك فهنيئا لك.