بداية الستينيات من القرن الماضي. ربما عام ستين أو واحد وستين. أما المكان فأذكره وكأنني أمثل فيه الآن رغم أن البناء لم يعد موجودا. مقهى الأوبرا. حيث كان نجيب محفوظ يعقد ندوته التي بدأت عام خمسة وأربعين, أي السنة التي ولدت فيها, في هذه الندوة تعرف أبناء جيلي إلى بعضهم, ومنها بدأت صلات وعلاقات تستمر معي حتى الآن. لابد انه يوم جمعة ذلك الذي رأيت فيه فريدة الشوباشي, فلم نكن نلتقي الا يوم جمعة كانت شابة متحمسة, تفيض بالحيوية, تماما كما أعرفها الآن. وكما تبدو الآن لمحبيها وصحبها. كانت مناقشات الندوة رفيعة المستوى. أشبه بجامعة مفتوحة وبعد انصراف نجيب محفوظ في موعده الذي لا يتغير, الواحدة والنصف, يستأنف الأصدقاء مناقشاتهم وحواراتهم. عرفت أن فريدة زوجة علي الشوباشي المثقف اليساري وابن الأديب والمفكر محمد مفيد الشوباشي. وأن علياً معتقل في سجن الواحات الرهيب الذي كان مخصصا للمساجين السياسيين, من شيوعيين واخوان مسلمين وآخرين ساقتهم الظروف الى هذا المنفى القاسي, في ذلك الوقت كانت فريدة (التي اتخذت اسم عائلة زوجها كموقف وتحدى للظروف) تعمل في شركة أسمنت طرة, حيث كان يعمل علي محاميا أيضا, حيث تعارفا وارتبطا الى الأبد, لا أتذكر هذه الأيام الا واستعيد فريدة بحماسها وانفعالها, الى أن خرج علي الشوباشي من المعتقل في التاسع من مايو عام أربعة وستين. أمضى سنوات الاعتقال كاملة وخرج ضمن القرار العام بالافراج عن المعتقلين السياسيين, تحمل بصلابة ظروف النفي والحصار, ولم يخضع للضغوط التي كانت تمارس من المباحث العامة بمختلف الوسائل للحصول على ماكان يسمى وقتئذ بالاستنكار, أي يوقع المعتقل ورقة, مجرد توقيع يحصل بعده على حريته ويخرج الى الحياة, يخرج فاقدا شرفه في نظر زملائه ونظر نفسه, قلة محدودة خضعت, وصمد معظم المعتقلين. وكان علي بينهم. كان ينتمي الى تنظيم يساري يتبع الخط الماوي وقتئذ, تنظيم صغير, لكنه كان يضم صفوة من المثقفين وكان يقدم تحليلات نظرية متماسكة, أثبت التاريخ صحتها. كان المناخ حيويا رغم ظروف القهر البوليسي, ومحدودية الحرية السياسية وقتئذ. تعرفت الى علي فور خروجه من المعتقل. كان يسكن الى جوار والده في عمارة مرتفعة بمقاييس الوقت في شارع الساحة بعابدين, وكانت شقة والده مفيد الشوباشي وشقته هو مفتوحتين دائما للأصدقاء, كانتا بؤرتين ثقافيين في المدينة. امتداد لظاهرة الصالونات الثقافية والأدبية, وستظل سهرات تلك الأيام ماثلة بحيويتها ومناقشاتها وجلسة الأب محمد مفيد الشوباشي, الذي تفرغ للبحث والدراسة, كان سليل اسرة عريقة, تركية الأصل, لكنه أخلص تماما للكتابة والنقد وكان من أوائل الذين عرفوا بالفكر الاشتراكي, ستظل جلسته في المقعد الرئيسي بالصالون ماثلة في ذاكرتي, وكذلك رائحة السيجار الايطالي الحادة (توسكاني) الذي كان يدخنه, وملبسه على هدوء الذي يتبدد فجأة اذا تعلق الأمر بتأكيد رأى يؤمن به, الا انه يعود الى الحدة صافيا, ناصعا, فياضا بالحب للآخرين. هكذا كان البيت في شارع الساحة مقصدا للأدباء والفنانين, أبوابه مفتوحة للأصدقاء والأدباء, يوفر الحنان والدعم لهم والونسة والمناخ الصالح للنقاش. وهكذا اصبح بيت علي الشوباشي فيما بعد, في باريس, ثم القاهرة التي عاد اليها بعد ربع قرن من الاقامة والعمل في فرنسا, خلال عامي أربعة وستين وخمسة وستين توثقت علاقتي به, وفي عام ستة وستين أعتقلنا معا, كنت متهما بالانضمام الى (وحدة الشيوعيين) التنظيم الذي انتمى اليه علي, ولأننا كنا جدداً على المباحث كان المعتقلون يضمون صفوة أدباء الستينيات, الابنودي. سيد حجاب, جلال السيد, محمد وأحمد العزبي, يحيى الطاهر عبدالله, محمد عبدالرسول, غالب هلسا, صلاح عيسى, ومن القدامى ابراهيم فتحي وعلي الشوباشي وفوزي جرجس وغالي شكري, في المعتقل أمضينا حوالي ستة شهور. وخلالها توثقت علاقتي بعلي أكثر, واتيح لي أن أقترب منه كانسان رقيق وكصاحب موقف صلب, شريف, مخلص, عمليا لم يكن له علاقة بالمجموعة الجديدة التي تم اعتقالها. لكنه بدأ كواحد منا, ولم يبد أي تبرم أو تأفف أو لين في موقفه, بل كان مساعدا, فياضا بخبرته كمسجون سياسي قديم. لم يكن مسموحا لنا بإرسال الخطابات أو تلقيها, رغم ذلك نجحت فريدة الشوباشي في تهريب صورة (نبيل) ابنها الذي ولد قبل اعتقال والده بشهور معدودات, كانت صورة طفل جميل, وسيم, بمثابة حدث في المعتقل الذي خلا تماما من صور الأطفال والنساء والألوان, قمنا بصناعة اطار معدني للصورة من علبة حلاوة طحينية, وكانت نظرات نبيل الشوباشي تطالعنا طوال النهار من خلال الاطار الذي وضعه والده الى جوار فراشه, لم يكن الا بطانية فوق الأسفلت, كانت الصورة تثير لدينا الأمل, وعند الافراج صحب علي الصورة بإطارها ليضعها في مكان بارز من شقته في شارع الساحة, ثم في المساكن التي اقام بها في باريس التي وصل اليها عام ثلاثة وسبعين الى أن أستقرت الصورة سنوات عديدة في صالون شقة تقع بالحي الثالث عشر, ثم في مدخل شقة المهندسين, وأخيرا في الصالة بمنزل الهرم الذي استقرت الأسرة به بعد العودة الى مصر. في كتابه الصادر من أسبوعين في القاهرة, مدرسة الثوار. الحياة الثقافية في سجن الواحات, يقص علي الشوباشي واقعة يمكن اعتبارها مدخلا لمعرفة هذا الانسان الذي لم يجد الفنان صلاح السعدني وصفا يصفه به في لحظة جد حرجة عندما بلغه نبأ الرحيل. (الإنسان الجميل.. النقي الشريف..) يقول علي ما نصه: (كنت مرة.. في عام ,1973 مدعوا على العشاء في احدى ضواحي باريس الجميلة التي تشكل الخضرة والأشجار الباسقة معظم أراضيها, عند جان ماري درو أحد كبار مخرجي التلفزيون الفرنسي, وكان معنا رسام من تشيلي, لست أذكر اسمه الآن, هرب من بلاده, ولجأ الى فرنسا بمجرد قلب الأمريكيين لنظام حكم سلفادور الليندي, وآخرون, وجه الي درو الذي كنت عرفته في القاهرة اثناء تصويره أحد أفلامه فيها, ونشأت صداقة بيننا عرف خلالها جانبا من حياتي, سؤالا عن تجربة السجن, لأن الرسام كان قد اجتاز التجربة في بلده فحكيت لهم بعضا مما سأرويه في هذا الكتاب, فإذا بهم يستزيدون, حتى أصبحت المتكلم الوحيد في تلك السهرة وفي النهاية طلب مني درو أن أكتب هذه التجربة, قائلا انه سينشرها في كتاب, ثم يكتب لها سيناريو ويخرج عنه فيلما للتلفزيون الفرنسي. واعتذرت له قائلا ان هناك الآن حملة في مصر على عبدالناصر وفترة رئاسة بالاضافة الى أن أجهزة الاعلام الغربية لم تتوقف خلال العشرين سنة الماضية على وصفه بالدكتاتور النازي, وقلت له انني كنت اعارض بعض سياسات عبدالناصر ولذلك عرفت السجن, لكنني لست مستعدا على الاطلاق أن اشارك في تقديم مبررات اضافية لمن اعتبرهم اعدى اعداء أفكاري, لمهاجمة نظام لم أكن أعاديه يوما وان اختلفت مع بعض ممارساته. وقد اسعدني أن جميع الحاضرين أستصوبوا موقفي وأيدوا قراري هذا. والغريب أن الرسام اللاتينيي رفض بعد أن توقفت عن الحديث أن يحكي لنا عن تجربته في سجن بلده, قائلا انه لن يستطيع أن يحكي تجربة ليس لها مثل القوة والثراء اللذين تتمتع بهما تجربة الشيوعيين في السجون المصرية. في هذه الفترة عام ثلاثة وسبعين, كان علي الشوباشي وزوجته وابنه يمرون بظروف صعبة جدا, كانوا مازالوا في بداية اقامتهم بفرنسا, وبالكاد كانوا يدبرون أحوالهم, وعرض كهذا شديد الاغراء لمن كانت ظروفه هكذا, لكن من اتسمت حياته باحترام المبادئ والأسس التي آمن بها لم يكن ليقبل هذا التنازل. وهذا هو بالضبط المدخل الرئيسي الى شخصية علي. هل كان يحاول تثبيت جزء مهم من الذكرة عبر تدوينه في ذلك الكتاب؟ هل شعر أن تلك التجربة يجب أن تدون نتيجة احساسه الداخلي بدنو الختام, ولأن احداً من الذين عاشوها لم يتحدث عنها, رغم أن عددهم تجاوز الستمئة معتقل, وكان معظمهم من المثقفين, والبعض كتب عن المعتقل فيما بعد, لكن لم يتناول هذه التجربة الثرية, أقدم علي الشوباشي ودونها في بساطة وعمق وتجرد, والغريب انه لم يخبرني عن الكتاب مع انه اعتاد أن يطلعني على أفكار رواياته, قدم للأدب العربي عملين جميلين, (رابعة ثالث) التي نشرت في أخبار الأدب سلسلة. و(أحلام بدرية) وكان يعمل في رواية ثالثة عنوانها بالغ الدلالة والايحاء, أعلن عنها في نهاية كتابه مدرسة الثوار, روايته الثالثة لم تتم (قبض الريح). يصف في كتابه الذي فوجئت به عندما زارني ليهديني نسخة منه قبل سفره الى فرنسا بيوم واحد, يصف تجربة الحياة الروحية في المعتقل, كيف انشأ المعتقلون جامعة, وبنوا مسرحا, وكيف اكتشفت مواهب في الغناء والرسم, وكيف اتقن المعزولون المحاصرون اللغات وملأوا الصحراء حيوية لاتزال آثارها باقية حتى الآن, انه كتاب فريد, ثري رغم صغر حجمه, ولكنني أردت الاشارة الى ما يتم عن بعض ملامح هذا الانسان الجميل. استقر علي في باريس, وشغل موقعا مهماً في وكالة الانباء الفرنسية, كان محررا دبلوماسيا, وثقافيا, ومن خلال هذا الموقع, وبدافع ذاتي املاه اخلاصه لقضايا وطنه وأمته قام بدور كبير في تقديم الحقائق المسكوت عنها في الغرب, أو تلك التي تتعرض لتشويه من العناصر الصهيونية المختلفة في وسائل الاعلام هناك, في نهاية الثمانينيات أصبح مديرا لمكتب الوكالة في تركيا, وعندما تقاعد قرر العودة الى مصر ليستقر بها, وليتفرغ للكتابة ولأصدقائه خلال الربع قرن الذي أمضاه في فرنسا كان بيته مفتوحا بالمعنى المصري للكلمة, يرحب بالأطباء, والمثقفين, ومن ألمت بهم المحن, وبالنسبة لي كان بيته بيتي, أطرقه كلما نزلت باريس, ولا يبخل بوقته, عندما صدرت الترجمة الفرنسية للزيني بركات, كان في المطار ينتظرني. تفرغ من عمله ليشارك في البرنامج الاعلامي الذي وضعته دار النشر (لوسومي), كان يعمل بحماس وكأن الرواية روايته, وبالتأكيد كان لاعتبار الاخوة بيننا عامل, إلا أنني اثق انه كان سيقدم على نفس الجهد والايثار لو أن الرواية لأي أديب مصري أو عربي آخر, كان بحكم خبرته بفرنسا يدرك معنى ومغزى صدور رواية عربية عن دار نشر كبرى لأول مرة وأهمية ذلك بالنسبة للأدب العربي ولقد عرفت لحظات أساسية في رحلتي معه ومع أسرته, خاصة رفيقة دربه الصديقة فريدة الشوباشي, لحظات عميقة ترتبط بمساري, وأينما ولت ذاكرتي يطالعني وجهه من تلك اللحظة أو تلك لذلك عندما وصلنا قرب الفجر الى الموقع الموحش, المظلم في المقابر الجديدة الواقعة على طريق الفيوم, عندما أستقر جثمانه في ثرى مصر التي أخلص لها وأحبها, رحت اتطلع إلى الرمال التي غطت المدخل, الى المحبين الذين وقفوا صامتين, خاشعين, يقرأون الفاتحة, وكلهم يدمعون رغم حرص البعض على اظهار التماسك, لم أكن أودع صديقا حميما وأخا عزيزا, انما كنت أودع الثرى أكثر من أربعين عاما مضت من عمري.