.. وبعد هل يحمل مشروع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الامريكي جديداً بالنسبة لمشكلة جنوب السودان؟ صيغة الحل المقترحة التي يطلق عليها المشروع (سودان واحد ونظامان) ليس فيها اي جديد في حد ذاتها. الجديد هو ان الصيغة تتبناها للمرة الاولى على الاطلاق مؤسسة امريكية قريبة من آلة صنع القرار الرسمي في الولايات المتحدة, والسؤال الذي يجب ان يطرح اذن هو: لماذا تتبنى هذه الجهة الامريكية مشروعاً لحل سلمي لمشكلة الجنوب السوداني؟ الى ان نشرت ورقة المشروع, بل وحتى هذه اللحظة فان السياسة الرسمية للولايات المتحدة تجاه المشكلة تقوم اساساً على تشجيع استمرار الحرب الدائرة في جنوب السودان كوسيلة لاستنزاف الشمال العربي المسلم تمهيداً لاخضاعه سياسياً لاعتبارات واهداف الاستراتيجية الامريكية في افريقيا عن طريق الابتزاز. واذا كانت كل الانظمة التي تعاقبت على السلطة في الخرطوم منذ ان اشعلت حركة قرنق الحرب في عام 1983 (نظام نميري ونظام سوار الذهب الانتقالي والنظام الحزبي الديمقراطي) فان النظام الراهن الذي استولى على السلطة في عام 1989 ظل مستهدفا بصفة خاصة بسبب اجندته الاسلامية الراديكالية من ناحية واستقلالية حركته في الساحتين الاقليمية والدولية من ناحية اخرى. ولمدى 12 عاماً ظل النظام هدفا لسياسة امريكية عدائية ترمي الى عزله اقليميا ودولياً تمهيداً للاطاحة به. هذا هو المنظور الذي ينبغي ان نتفحص من خلاله مشروع مركز الدراسات الامريكي. فورقة المشروع تنطلق من وجوب اعادة نظر في هذه السياسة الامريكية لانها فشلت في كل الاهداف الموضوعة لها. فالاستنزاف الاقتصادي والمالي ومعه الحصار الاقتصادي الدولي الذي تبنته الولايات المتحدة لم يؤد بعد 12 عاماً, الى اسقاط النظام. ثم انه تمكن من كسر العزلة الاقليمية عربياً وافريقياً ودولياً فاستعاد علاقات السودان الطبيعية والمتميزة مع دول الخليج, الكويت ودول الجوار وبالاخص مصر واثيوبيا بالاضافة الى علاقاته الجيدة مع دول شرق آسيا ودول الاتحاد الاوروبي بما في ذلك بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وهولندا. على العكس فإن الولايات المتحدة نفسها هي التي صارت تواجه عزلة دولية فيما يتعلق بسياستها نحو السودان. وعلى الصعيد السياسي لمشكلة الجنوب تحركت كل من مصر وليبيا معاً ليصيرا طرفين جديدين في معادلة الحل المستقبلي... وهذا تطور ليس في صالح حركة قرنق. فالدولتان تعارضان اي حل يمكن ان يفضي الى انفصال الجنوب. يكلمات اخرى صارت ورقة تقرير المصير في مهب الريح. وفوق هذا وذاك يأتي التطور الاكبر: النفط السوداني. وهو تطور تقول عنه الورقة الامريكية دون لف او دوران انه قلب الميزان العسكري في حرب الجنوب لصالح الحكومة. فمع تدفق العائدات المالية للنفط وتصاعدها مع الازدياد المنتظم في معدل الانتاج يصبح رصيد الحكومة من النقد الاجنبي افضل مع مشرق كل يوم مما يمكنها من تطوير وتحسين آلتها القتالية في الجنوب. ونجاح مشروع النفط السوداني هو في الحقيقة فشل اضافي للسياسة الامريكية. ففي وجه العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد السودان, ومن بينها منع شركات النفط الامريكية من المشاركة في المشروع السوداني تجاوبت دول اخرى مع السودان: الصين وكندا وماليزيا التي انضمت اليها قطر.. وبعد ذلك الامارات. وقد مارست الولايات المتحدة على كندا والصين بالذات ضغوطاً ترهيبية وترغيبية للانسحاب من المشروع النفطي السوداني. لكن انتهت كلها الى فشل. من هذا الفشل متعدد الاوجه لاهداف السياسة الامريكية ينطلق مشروع مركز الدراسات الامريكي..