* كيف تترجمون فى العربية كلمة منتاليتيه؟ ــ سؤال طرحه ولي النعم فى مصر, السلطان حسين كامل خلال حفل غداء اقامه فى قصر عابدين ودعا اليه كبار الشخصيات فى مصر, فى سبتمبر عام 1919, ومن بينهم كان لفيف من اعلام مثقفى ذلك العصر وفى مقدمتهم أحمد زكى باشا. وفى تاريخنا العربى المعاصر نصادف ثلاثة من كبار الرجال حملوا نفس الاسم أحمد زكى.. أولهم الباشا الذى اشرنا اليه وكان يلقب باسم (شيخ العروبة) وكان موسوعيا فى علمه يجيد الانجليزية والفرنسية والايطالية فضلا عن إلمامه باللاتينية بوصفها لغة البحث العلمى الكلاسيكى بالذات, وكان يسمي دارته الأنيقة بالقاهرة باسم (دار العروبة). والثانى هو الدكتور أحمد زكى أبوشادى وكان طبيبا وعالما بتربية النحل وشاعرا مجيدا وقد انشأ جماعة أبولو فى مقتبل الثلاثينيات التى كانت تضم شعراء الرومانسية الشباب فى تلك الفترة. وكان الثالث دكتورا أيضا ولكن فى فلسفة العلوم, ثم حصل من انجلترا على دكتوراه رفيعة أخرى فى تخصص العلوم وكان بذلك ثالث ثلاثة يحصلون على هذه الدرجة العلمية الفريدة بعد الدكتور عبدالعزيز أحمد والعلامة مصطفى باشا مشرف رائد علوم الذرة فى الوطن العربى. الدكتور العالم أحمد زكى كان أديبا مطبوعا وكان نموذجا للعالم المثقف المهموم بقضايا العمل العام وخاصة فى مجال الكتابة الصحفية التى تقدم أعقد مفاهيم العلم التطبيقى من فيزياء وبيولوجيا وكيمياء فى أسلوب سائغ بل ساحر لعامة القارئين, والدكتور زكى هو مؤسس مجلة (العربى) الرصينة التى مازالت تصدر بحمد الله فى الشقيقة الكويت وقد تربى على صفحاتها أجيال من بعد أجيال فى مشرق الوطن الكبير ومغربه. يرجع مرجوعنا الى شيخ العروبة الباشا أحمد زكى الذى جلس يحتسي قهوة السلطان حسين ابن توفيق حاكم مصر فى عام 1919 وكان ذلك فى بهو الصالون المذهب الفاخر الذى جلس السلطان فى صدره ليطرح السؤال حول ترجمة كلمة منتاليتيه أجاب عن السؤال أحمد زكى باشا قائلا: هذه الصيغة ياأفندينا استحدثوها لتؤدى معنى خاصا يقارب فى العربية قولنا: (ذهنية) أو (عقلية) وداعب السلطان حسين كامل شاربه الغزير الطويل المبروم وعاد يسأل: * ياباشا أيوجد بين العرب اليوم من يستطيع أن يساير شعراء الأفرنج مع هذه العقلية الجديدة أو الذهنية الحديثة؟ أجاب زكى باشا: ــ هذه المزية تفرقت فى كثير من شعراء زماننا ولكنها اجتمعت كلها عند شاعر واحد؟ * من يكون؟ ــ أنه أحمد شوقى. قالها زكى باشا وكأنما ألقى قنبلة فى صالون السلطان حسين كامل. فى تلك اللحظة ندت عن بعض الجالسين همهمات, وأرباع جمل وعبارات, وساد جو من الترقب والتحفز, لقد كان أحمد شوقى منفيا فى اسبانيا وكان معدودا من خصوم السلطان حسين الحاكم بأمره فى مقاليد مصر, فكيف يجسر مثقف حتى ولو كان من حقوق الباشوات المثقفين على أن يذكر اسم شوقى الخصم, المنفي المستبعد محاطا بهالة من ثناء على موهبته الشعرية. وأين؟ فى قصر السلطان وعندما أطرق أفندينا ساكتا تشجع أحمد زكى باشا ليواصل حديثه قائلا والقوم فيما يشبه الذهول: يا مولانا أيصح أن تبقى مصر محرومة من بلبلها الغريد؟ أن الذى نرجوه من عطف عظمتكم هو أن تعيدوا الى القاهرة رونقها فتأمروا باعادة شاعرها شوقى من منفاه. وكان السلطان حسين عند حسن الظن فأمر باعادة شوقى, ورغم ان الانجليز عمدوا الى تأخير التنفيذ فالحاصل أن شوقى ودع المنفى الأندلسى واستخدم سفن البحر وقطارات البخار من مدريد الى فينسيا ومن جنوة الى الاسكندرية حيث صافحته نسائم الميناء المتوسطى وداعبته نكات البحارة وصخب الباعة وأسكرته اللغة العربية التى سمعها وقد ترددت, ولو فى ثوب اللهجة الدارجة, على كل لسان. ساعتها أرسل أحمد شوقى طرفه يجول فى انحاء الاسكندرية: البحر والرمل والشمس والسماء.. الأرض والناس وجاشت نفسه بأبياته الشهيرات تقول: ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا ولو أني دعيت, لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا أدير اليك مثل البيت وجهي اذا فهمت الشهادة والمتابا عاد شوقى ليشعر فى الاسكندرية, إن ثورة 1919 كانت قد بثت فى أوصال الحياة المصرية روحا جديدة, بل ومصطلحات جديدة تتردد بين جوانبها ألفاظ التضحية, الجلاء الفداء, الشهادة.. الخ ولم يضع وقتا بل بادر الى أول قطار يستقبله ليصل به الى محطة القاهرة. كانت ليلة شتوية قارسة البرودة, ومع ذلك وكما تقول الاستاذة اللبنانية الدكتورة نازك سابايارد فى كتابها الجميل الذى وصفت فيه أحمد شوقى بأنه (لحن المجتمع والوطن) فقد احتشدت جماهير غفيرة من الطلاب والأدباء فى محطة مصر لاستقبال العائد. ثم تنتقل الاستاذة سابايارد عن كتاب أصدره الاستاذ حسين, نجل الشاعر أحمد شوقى بعنوان أبى شوقى يقول: تجمع فى فناء المحطة آلاف الطلبة لتحية أبى ثم أخذوا يهتفون بحياته فى حماس عظيم. ثم حملوه على الاعناق حتى السيارة. وقد أثرت جدا هذه الحفاوة فى أبى من شباب وطنه الى حد أن كانت الدموع تترقرق فى عينيه طوال الطريق. ومن مشاهد هذه اللحظة فى فناء محطة مصر, مرأى رجل ضخم أسمر اللون كان يشق طريقه وسط الزحام فى عناء كما يقول الدكتور ماهر فهمى فى كتابه عن شوقى. وعندما بلغ القطار القادم الموعود من الاسكندرية تقدم ليعانق الرجل الآخر الذى نزل من القطار, قصير القامة, يمسك ياقة معطفه خشية البرد ولا يكاد يتبين طريقه بعينين تندتا بالدموع, وعلت هتافات الجماهير وهى تتابع مشهد العناق بين الرجلين الضخم والقصير, كان هذا حافظ ابراهيم يعانق أحمد شوقى ثم لا يلبث أن يعلو صوت حافظ الواثق الجهير: يحيا رفيق الابداع العائد من سنوات المنفى ومعاناة الغربة يقول: الحمدلله الذى قد رده من بعد غربته الى أوطانه فتنظروا آياته وتسمعوا قد قام بلبلكم على أغصانه ومرة أخرى جاشت شاعرية شوقى ثم فاضت بجدول من الابداع الجميل وخاصة حين وصف استقبال شباب الوطن له.. فقال: تلقوني بكل أغر زاره كان على أسرته شهابا وتلمح في وضاءة صفحتيه تحيا مصر رائعة كتابا وما أدبي لما أسدوه أهل ولكن من أحب الشيء حابا وهكذا عاد أحمد شوقى الى الوطن وقد تغير فى مذهبه وشخصيته الشيء الكثير, لم يعد شاعر القصر, ولكن بعد محنة الغربة وافق الحنين ومعاناة المنفى تحول لكى يرى فى نفسه شاعر الوطن, لم يعد شوقى هو الشاعر المادح لأسرة محمد علي التى كان يعترف بفضلها عليه, لقد حرره المنفى إن لم يكن قد أعاد صياغته من جديد. فى هذا يقول لنا العلامة شوقى ضيف (فى كتابه عن شوقى شاعر العصر الحديث): فلتفرحى يا ربة الشعر ولتدقي البشائر فإن طائرك لن يعود رهين محبسه القديم ولا رهين ذهب اسماعيل وابنائه فقد أخذ يرفرف حرا طليقا فى الفضاء. ولقد اتسعت السماء لهذا الطائر الحر الطليق, ولم تعد هى سماء مصر وحدها بل أصبحت سموات وطن العروبة الأكبر, يغنى شوقى أحلامه ونضالاته ويأسو جراحاته ويستشرف معه, بشعره, آفاق غد جديد. و.. سلام على أحمد شوقى.