يبالغ الجانب الأمريكي في تقدير مدى ضعف وتمزق الصف العربي, وهو ما يفسر تراجع الدور الأمريكي في معادلة التسوية, بما أدى الى اهتزاز العديد من ثوابت ومعطيات هذه المعادلة, ففي نهاية السبعينيات (مع زلزال العبور ومفاجأة سلاح البترول), كانت الثوابت: 1ــ عدم جواز احتلال الأراضي بالقوة. 2ــ حق كل دولة من دول المنطقة في العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها. 3ــ عدم شرعية المستوطنات الاسرائيلية. 4ــ عدم الاعتراف بالاجراءات الاسرائيلية لتغيير الطبيعة الديموجرافية أو الجغرافية في الأراضي المحتلة (ومنها القدس الشرقية). 5ــ التوصل الى السلام العادل والشامل من خلال التفاوض المباشر. ومع نهاية الثمانينيات وخاصة بعد انتهاء حرب الخليج الثانية, طرأت تعديلات على الثوابت السابقة (من وجهة نظر الادارة الأمريكية) على النحو التالي: 1ــ ظهور مفهوم الأرض مقابل السلام (مقايضة الحق الثابت بصيغة تعاقدية عائمة). 2ــ إضفاء قدر من المشروعية على الانتهاكات الاسرائيلية لالتزاماتها الدولية (نظرية الأمن الاسرائيلية في ثوب جديد, فلم يعد بعد أكتوبر 1973 نظرية تأمين حدود الدولة عن طريق اضافة عمق استراتيجي بواسطة الاحتلال, وإنما أصبحت تأميناً بوليسياً ضد ما يسمى الارهاب, ومن ناحية أخرى اكتسبت التغييرات على الأرض قدرا من الثبات والمشروعية أو أصبحت خارج الصفقة. 3ــ إن الدور الأمريكي ليس شريكا ولا وسيطا وإنما هو مجرد (مسهلاتي) أو ناقل رسائل. 4ــ إن تجزئة السلام يمكن أن تكون صيغة أولية لفرض سلام شامل بخرائط اسرائيلية. 5ــ لم يعد رفع المقاطعة هو المطلب, بل التطبيع والتعاون, وأيضا خارج اطار الصفقة وبغض النظر عن نتائجها. لقد كانت زيارة القدس عام 1977 تمهيدا ضروريا لملامح الصفقة, فالمخطط الاسرائيلي والأمريكي أدركا سويا أو منفردين استحالة تمرير الصفقة في حيز عربي جمعته أحداث أكتوبر 1973 ووحدته بشكل غير مسبوق في تاريخه المعاصر, كان هناك حرص على تفكيك هذا الموقف وبالتدريج, حتى ولو أدى الأمر لتقديم تنازلات جوهرية تكون كافية لادارة رأس بعض الأطراف وجذبها بعيدا عن الموقف الموحد, وتمتلئ الأدبيات التي كتبت عن تلك الفترة بلقاءات في عواصم عربية عديدة ومكاتبات ووعود لكل الأطراف تقريبا بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية. لقد تراقص الطعم أمام كل طرف على حدة, ولأسباب عربية غامضة فضل كل طرف أن يستكشف على طريقته حجم نصيبه من الصفقة حتى ولو كان على حساب الآخرين. في واقع الأمر كان هناك تركيز على مصر, فهي الرأس الكبير التي بتحييدها يمكن تمرير الصفقة. لذلك لم يكن كامب ديفيد اعجاز في ذاته, أو تفاوضا بالمعنى الفني الدقيق, وإنما مساومة حول بضائع جاهزة للتسليم وأثمان موجودة فوق المائدة, وكل ما هو أكثر من ذلك لم يكن سوى مجرد تفاصيل شكلية. وقد رأى البعض أن العرب قد أخطأوا تكتيكيا فيما يسمى (عملية السلام) لأسباب ليس هذا مجال تفصيلها, ومبررات تحيل جزءا من الخطأ على غيرها من الأطراف العربية, إلا أن الخطيئة الاستراتيجية تمثلت في موقف الكتلة العربية التي انساقت بوعي أو بدون وعي للشرك المنصوب وبأوهام الزعامة البديلة, بالتناقض والتصارع, ورفض التعامل مع المعطيات الجديدة. عشرة أعوام أمكن فيها اعداد أدوات السوق بصبر ومهارة لصفقة السلام الاسرائيلية, وكانت الريح مواتية, فقد تهاوت في تلك الأثناء امبراطورية الشرق لتختل عناصر التوازن الدولي, ودخل العراق في حرب ضارية مع ايران لم يخرج منها إلا ليغزو الكويت, وتنقلب أيضا الموازين المحلية في حرب الخليج الثانية. من الصعب الآن أن نحاكم (أوسلو) أو نوجه السهام لاتفاقية وادي عربة, ولكن من المؤكد أن مدريد وما لحقها من مفاوضات في واشنطن لم تكن لتغير من الأمر كثيرا, فلو استمر التفاوض الجماعي لكانت سوريا مثلا هي التي توصلت أولا الى اتفاق, ولما تغير الوضع بالنسبة للمسار الفلسطيني الذي هو لب الصراع في الشرق الأوسط. إن كعكة الضفة كانت ومنذ البداية نصب عين المفاوض الاسرائيلي, في حين كانت باقي الأطراف ترتب لمصالحها الخاصة, لذلك وبمجرد هبوب رياح الانتفاضة عام ,1987 سارع المفاوض الاسرائيلي في محاولة ايجاد متنفس سياسي لأول ثورة شعبية فلسطينية مؤثرة منذ الاحتلال, وبعد أن تبين له فشل كل الحلول العسكرية والأمنية, لذلك فإن دخول منظمة التحرير الفلسطينية الى غزة وأريحا كان انتصارا اسرائيليا بقدر ما كان انجازا فلسطينيا, لقد انكسرت موجة الانتفاضة, وأصبحت المنظمة بكوادرها الموجودة على الأرض كفيلة باخضاع الثورة تحت مسميات كثيرة, وبأساليب لم تتبعها قوات الاحتلال الاسرائيلية ولو اتبعتها كانت تثير انتقادا عالميا. لقد أرادت اسرائيل أن تكون قوات الأمن الفلسطينية قوة مضافة لأمن اسرائيل, بل وأصبح ذلك الأمن ورقة من أوراق التفاوض حتى ولو كان أمن قوات الاحتلال والمستوطنات على أرض محتلة, وهو وضع ليس له مثيل في التاريخ, فلم يحدث أن طلبت قوات احتلال من الوطنيين أن يتولوا بأنفسهم مطاردة رجال مقاومة الاحتلال كشرط لانهاء الاحتلال!! لكل ذلك, فليس من المدهش أن يعلن قادة اسرائيل بصراحة أن الضفة الغربية جزء من اسرائيل, وأن يكون أقصى ما يتمناه المفاوض العربي من (الشريك) الأمريكي أن يضغط على الحكومة الاسرائيلية كي تكون مساحة (اعادة الانتشار) 10% بدلا من 3% فأمام الواقع المفروض على الأرض والظروف المحلية والدولية فلا يمكن توقع ما هو أفضل من ذلك. لقد اقترح البعض أن يعود ياسر عرفات الى تونس, أي أن يعود بالتاريخ الى ما قبل ,1993 وألمح آخرون الى اطلاق سراح (حماس) كي تكون المعادل الموضوعي لليمين الاسرائيلي الحاكم, ولكن ذلك يعتبر مراهقة فكرية وسياسية, وخطأ آخر ضمن سلسلة الأخطاء التفاوضية العربية. فمن المؤكد أن أوضاع اليوم تختلف عن أوضاع ما قبل ,1993 فآنذاك كانت الانتفاضة في ذروتها, وكان الغرب مدينا لموقف الأغلبية العربية إبان حرب الخليج, أي أن المفاوض العربي كانت لديه بعض أوراق لها رصيد, أما اليوم فالوضع مختلف تماما, فقد تغيرت مرتكزات التفاوض كما أسلفت في مقدمة المقال, وتخلص المفاوض الاسرائيلي من الحصار وأحكمه على المفاوض الفلسطيني وخرج باقي العرب أو أغلبهم من الصفقة تماما, تم اختصار القضية الى أمتار من الأرض يتم التفاوض حولها بين أصحاب الشأن (الاسرائيليون والفلسطينيون), وهذا التفاوض يمكن أن يمتد كما قال إسحاق شامير لعشرات السنين. ليس هناك خطر على المصالح الأمريكية, وليس هناك بديل أمام المفاوض الفلسطيني, فلماذا يحدث أي تغيير لصالح الأخير؟.. وبالطبع ليست هناك وصفة سحرية لتغيير المعادلة الاستاتيكية الحالية, ولكن هنالك بعض فروض يمكن بحثها: 1ــ أن يستعيد العرب قضية التفاوض, بمعنى أن يصبحوا مباشرة طرفا فيها بكل ما يعنيه ذلك من مواقف بما فيها اعادة النظر في قضية المقاطعة الاقتصادية والتطبيع بل وحتى العلاقات الدبلوماسية. 2ــ أن تشعر الولايات المتحدة وبشكل ملموس بخطر يتهدد مصالحها في الشرق الأوسط, وأبسط أمثلته هو محور القاهرة ــ الرياض ــ دمشق ــ بغداد ــ طهران. 3ــ الاصرار على تدويل المفاوضات, بدخول فاعل لأوروبا وروسيا والصين, ودفع الأمم المتحدة عن طريق الجمعية العامة. 4ــ اعادة البديل العسكري الى السطح, والجبهة المرشحة لذلك هي الجبهة السورية ــ اللبنانية, ولاشك أن مجرد التلويح ببقاء هذا البديل يدفع المفاوض الاسرائيلي لاعادة حساباته, وذلك يعني تقديم كل ما يمكن من عون مادي ومعنوي لتلك الجبهة. 5ــ خلخلة الحصار على العراق وليبيا والسودان, والتحرك حثيثا نحو ايران وتركيا, والاهتمام بحصار التحرك الاسرائيلي في أفريقيا. إن الواقع الحاضر له معادلات ثابتة, ولكنها ليست دائمة أو مقدسة, ولا ينبغي للمفاوض العربي أن يترك نفسه تائها في تفاصيل معارك التفاوض الوقتية فيغفل استراتيجية التفاوض, فذلك هو ما يدفعنا اليه المفاوض الاسرائيلي بعد أن سيطر على بيئة التفاوض من خلال ادعاءات صارت شبه حقيقية من كثرة ترديدها, مثل أن الوقت ليس في صالح العرب, ومثل اعادة الانتشار وليس الانسحاب, ومثل مزاعم الأمن وغيرها. المطلوب هو مراجعة شاملة للموقف العربي وللمصالح العربية, تتضمن تحديدا جديدا لموضوع التسوية السلمية ولو أدى ذلك الى تغيير جذري في المواقف المعلنة والتحالفات القائمة. * كاتب مصري