اسقاط اسم (الحركة الشعبية لتحرير السودان) ومعها (الجيش الشعبي) التي يتزعمها جون قرنق في مشروع مركز الدراسات الامريكي والاستعاضة عنه بمصطلح (المعارضة الجنوبية) وهو اكثر شمولا, ليس اعتباطيا. فالخط السياسي العام للمشروع يتعارض رأسياً مع سياسة استمرار الحرب التي كانت تتبناها ادارة كلينتون وتطبقها على الارض قوات قرنق. بالتالي يصبح مفهوما ان تعارض (الحركة) المشروع.. فهو موجه ضدها. وفي هذا السياق نعيد الى الاذهان ما جرى في العام الماضي عندما ظهرت بصورة فجائية مجموعة من ابرز الشخصيات المخضرمة من مثقفي جنوب السودان في الشتات والداخل اصدرت اعلانا بعد اجتماع في جنيف هاجمت فيه (الحركة الشعبية) واتهمت قرنق بأنه يتعمد إطالة امد الحرب لأسباب تتعلق بمجده الذاتي داعية في الوقت ذاته الى تفاوض جاد مع الشمال للتوصل الى حل سلمي حتى لو تطلب الامر تجاهل (الحركة). ومن المثير حقاً ان الاعلان لا يختلف من حيث الطرح الموضوعي والاسلوب عن المضمون العام لورقة المشروع الذي اعده فريق مركز الدراسات الامريكي. والاشد اثارة ان احد اعضاء (اللجنة الموجهة) لهذه المجموعة الجنوبية, د.فرانسيس دنيق, هو ايضاً عضو في الفريق الفني الامريكي الذي عينه مركز الدراسات لاعداد الورقة. ومن قياديي المجموعة الجنوبية بونا مالوال وهو مثل د. فراسيس, من جنوبي الشتات وثيقي الصلة بدوائر السلطة الامريكية. ومن ابرز القياديين من الداخل ابيل الير. ومما يلفت الانتباه ان هؤلاء الثلاثة القياديين ينتمون ـ مثل جون قرنق ــ الى قبيلة الدنيكا. ومن اهم النقاط ذات الدلالة التي اشتمل عليها الاعلان الذي اصدرته هذه المجموعة الجنوبية وتتطابق مع نص او روح المشروع الامريكي ما يلي: ــ اذا رفضت (الحركة الشعبية) تحقيق السلام للجنوب فإن على قادة الرأي العام الجنوبي ان يفاوضوا من اجل السلام. واذا نجحوا فانه ينبغي على (الحركة) ان تتجاوب معهم. ــ تدعو المجموعة الى قيام فترة انتقالية في جنوب السودان يعقبها اجراء استفتاء لتقرير المصير. ــ ان هناك رغبة قوية تبلورت في الجنوب والشمال والمنطقة الاقليمية والاسرة الدولية لحل النزاع والتوصل الى سلام عادل ومستديم. وفي خطاب منفصل مفتوح الى جون قرنق يقول بونا مالوال: ــ بعد 17 عاماً من الحرب الدموية التي ازهقت ارواح مليونين في الجنوب قال السياسيون الشماليون جميعاً انهم على استعداد للتفاوض حول اتفاق سياسي مع (الحركة) لعمل الترتيبات لاستفتاء حول تقرير المصير للجنوب. ولكن قرنق ظل يراوغ حول هذا الاقتراح في مفاوضات ايجاد. فكم مليوناً آخرين من السودانيين الجنوبيين يريد قرنق ان يموتوا من اجل اجندة قرنق الذاتية؟ ــ ان دعوة (السودان الجديد) التي يعلنها قرنق كهدف هي في الحقيقة ذريعة لاطالة امد الحرب لان قرنق يعلم سلفا ان هذا مجرد حلم غير قابل للتحقق. ــ ان قرنق يمارس لعبة خداع سياسي تجاه القادة الشماليين باستخدام (التجمع) المعارض ضد النظام الحاكم والتفاوض مع النظام من وراء ظهر (التجمع) في اطار مبادرة إيغاد. وقبل ان اعود الى مناقشة بنود ورقة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن اجد من المفيد ان اشير ان اعلان المجموعة الجنوبية المشار اليها صدر في ابريل عام 2000 اي قبيل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة بينما تصدر الان ورقة مركز الدراسات بعيد هزيمة الرئيس كلينتون في الانتخابات وانتقال السلطة الى رئيس جديد. واستنتاجي ان فريق مركز الدراسات كان في هذه الاثناء يعمل في اعداد مشروعه في تعاون وثيق مع المجموعة الجنوبية.. في انتظار نتيجة الانتخابات.