كان ذلك في أول أيام الزيارة التي قمت بها مؤخرا لايرلندا, وفيما كنت اشق طريقي الى مكتبة تبيع الصحف والمجلات في دبلن, كان المذياع يبث برامجه بصوت عال, وأذهلني ما سمعته: (حافظوا على حرية ايرلندا... لا تسافروا الى المملكة المتحدة أو ايرلندا الشمالية... لا تجلبوا الى الوطن منتجات من المملكة المتحدة...). ومضى المذياع يبث المزيد, لكن هذا كان هو كل ما سمعته, وفي الأيام التي أعقبت ذلك, أدركت أن تلك الرسالة كانت جزءاً من إعلان أوسع نطاقاً يتم بثه مرة كل نصف ساعة أو نحو ذلك عبر التلفزيون والمذياع وينتشر في الصحف الايرلندية جميعها. كان الإعلان متعلقاً بمرض الحمى القلاعية المخيف, الذي انتشر في المملكة المتحدة وامتد منها الى ايرلندا الشمالية. وقد انزعجت جمهورية ايرلندا, بالطبع, وأرادت تحذير مواطنيها ولفت نظرهم الى ضرورة اتخاد كل الاجراءات الاحترازية الممكنة لتجنب نقل هذا المرض الى بلادهم. ولفتت انتباهي خلال الزيارة الكيفية التي اثر بها هذا المرض في اطار خلفية من التاريخ الطويل للصراع بين البريطانيين والايرلنديين. ومن المهم اولا تفهم ان مرض الحمى القلاعية هو مرض يسببه فيروس معد الى حد كبير, وهو يؤثر على الحيوانات ذات الحوافر مثل الأبقار والأغنام والغزلان... الى آخره. ولأنه يمكن أن ينتشر بالملامسة أو عبر الهواء, ولأنه لدى الاصابة به فإنه يغدو قاتلاً, فإن الخوف منه يسيطر على الكثيرين. وعندما ظهر في الماضي كان تأثيره مدمراً, ولذا فإنه للسيطرة عليه غالباً ما تستخدم اجراءات صارمة. وفي الجولة الحالية للمرض تم رصده أولاً في المملكة المتحدة في 20 فبراير الماضي, ويستبد الغضب بالكثير من الايرلنديين, ويلقون اللوم على البريطانيين حيال ما يشعرون انه موقف متراخ ازاء السيطرة على انتشار المرض في مراحله الاولى, وهم على سبيل المثال يشيرون الى ان أربعة أيام قد انقضت قبل ان يتخذ البريطانيون اي اجراء لمنع انتشار المرض. وعندما اتخذوا اجراءات في هذا الصدد فإن الخطوات التي اتخذت لم تكن حازمة, فقد واصلت الحيوانات التي يحتمل أن تكون مصابة انتقالها, ولم تفرض الا ضوابط محدودة على نقلها وعلى التجمعات العامة الكبيرة وغيرها من أنماط السلوك التي كان يمكن ان تساهم في نشر الفيروس المعدي. وبادرت ايرلندا, وبصفة خاصة بعد الاعلان عن اول حالة اصابة في ايرلندا الشمالية الى التحرك بقوة, وفي اطار تكريس نفقات طائلة ومن خلال فرض اجراءات لها متاعبها, وعلى سبيل المثال فإنه في الأسبوعين الأولين قامت الفنادق الايرلندية بإلغاء 500 اجتماع ومؤتمر. وألغت دبلن وجالواي استعراضاتهما المخصصة للاحتفال بيوم سانت باتريك, وتم اغلاق 600 مزرعة وفرضت عليها قيود صارمة, وتم إلغاء اللقاءآت الرياضية (بما في ذلك سباقات الجياد والكلاب ومباريات كرة ومباراة ايرلندا ضد المملكة المتحدة, وهي المباراة الأكثر أهمية بالنسبة للايرلنديين في مسابقة للرجبي) كذلك أغلقت الحدائق العامة والمواقع السياحية وحظر على الجمهور ارتيادها. تم القيام بهذا كله لتجنب التحركات واسعة النطاق من جانب الناس والتجمعات التي يخشى ان المرض قد ينتشر خلالها. وظهرت لافتات في أرجاء ايرلندا كافة تحذر الناس من المخاطر المترتبة على عدم قيامهم بالاجراءات الضرورية, ووضعت حصر مشبعة بالمواد المطهرة أمام معظم المباني العامة لتقليص امكانية نقل المرض عن طريق الأقدام. كانت التكاليف باهظة بالنسبة للايرلنديين. فإلغاء مباراة الرجبي تترتب عليه خسارة خمسة ملايين دولار. أما خسائر السياحة المترتبة على إلغاء الاحتفال بيوم سانت باتريك فمن المتوقع ان تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. كان هذا مما يبعث على الضيق بصفة خاصة بالنسبة للايرلنديين ان يروا انهم بينما يتخذون احتياطات موسعة لإيقاف المرض الذي لم تصل عدواه اليهم, فإن البريطانيين الذين تودي الحمى القلاعية بماشيتهم يواصلون العمل عند مستوى أدنى بكثير من الاجراءات الطارئة. ويرى بعض الايرلنديين ان جانباً من المشكلة يتعلق بالفارق النسبي في أهمية الزراعة في البلدين, ففي بريطانيا تشكل الأنشطة المتعلقة بالزراعة أقل من 1% من اجمالي الناتج المحلي, بينما الانشطة المتعلقة بالغذاء والزراعة تشكل 8% من اجمالي الناتج المحلي الايرلندي وحوالي 30% من الصادرات الايرلندية كافة. وكان آخرون أقل إيغالاً في مثل هذه الرؤية التحليلية, ولاحظوا أن البريطانيين فيما يبدو لا يكترثون بالأمر. وعندما رصد المرض في ايرلندا الشمالية انطلق الايرلنديون الى اتخاذ أقصى الاجراءآت الاحترازية, وبرزت للعيان السياسات المتعلقة بالعلاقات البريطانية الايرلندية. ومن الحقائق المعروفة أن الكثيرين في مقاطعات الجنوب الست والعشرين (التي تشكل جمهورية ايرلندا) قد فقدوا اهتمامهم بسياسات الصراع على مصير المقاطعات الست الشمالية (التي تشكل ايرلندا الشمالية المنتمية الى بريطانيا العظمى) فقد علقوا آمالهم على عملية السلام وركزوا اهتماماتهم بشكل أكبر على الاقتصاد الايرلندي المزدهر. وبالنسبة لهم فإن المستقبل يعني تجاوز الماضي. ولكن عملية السلاما لمتعثرة والمرض الرهيب الجاثم على حدودهم وإن كان في واقع الأمر في جزيرتهم الصغيرة قد اعاد الصراع اليهم بطريقة جديدة. وتعد الحدود الوعرة والجبلية غالباً عبر 246 ميلاً والتي تفصل الشمال عن الجنوب خطا مصطنعا في أفضل الأحوال, وقد كان من المستحيل في الماضي السيطرة عليه ووقف التهريب وهجمات الجيش الجمهوري الايرلندي (أو حديثاً الجيش الجمهوري الحقيقي) عبره. فكيف يمكن إذن احكام السيطرة على تحركات الماشية عبره؟ وقد رد بعض الايرلنديين بداية على انتشار مرض الحمى القلاعية بالمطالبة بالقيام بتصعيد قوة أمن أولستر الملكية المعروفة اختصاراً باسم (آر.يو.سي) بزيادة دورياتها على الحدود لوقف مهربي الماشية المحتملين أو حركة الحيوانات الضالة. وكان هذا بالطبع أمراً مثيراً للسخرية, حيث أن وجود هذه القوة كان عنصر تذكير مقيت بالاحتلال والقمع البريطانيين. وفي مقاطعة أرماه على وجه التحديد كانت هذه القوة أمراً مثيراً للجدل بصفة خاصة. وفي حقيقة الأمر فإن ما كان يسعى إليه الايرلنديون هو دور مختلف لهذه القوة, يحولها من قوة عسكرية الى قوة شرطة. وبالنسبة للكثير من الايرلنديين فإن وجود الحمى القلاعية قد أبرز الوضع غير الطبيعي والهشاشة اللذين تتسم بهما جزيرتهم. وهم يدركون في نهاية الأمر أن الموقف الحالي هو موقف غير واقعي ولا سبيل الى التحكم فيه. فلحماية سكان من المستوطنين وتاريخهم القائم على وضعية متميزة أقيم اطار اداري يجعل حسم الكثير من المشكلات أمراً متعذراً. وإذا كانت هذه الأزمة قد أسفرت عن شيء فإن هذا الشيء لا يعدو أن يكون جعل استمرار عملية السلام أمراً أكثر إلحاحاً, حيث تبرز الآن نداءات متجددة تدعو الى منهاج لحل المشكلة يدعو للنظر الى (عموم ايرلندا) وهو مفهوم عقلاني ما كان يمكن تصوره قبل عقد من الزمان. وقد يكون من المثير للاهتمام محاولة التوصل الى نقاط تشابه بين المرحلة الراهنة في الورطة البريطانية ــ الايرلندية والعلاقات المستقبلية بين الاسرائيليين والفلسطينيين. ولكن هذا الوضع قد يجدر بنا مناقشته في يوم آخر.