لا يمكن قياس تقارب ابناء الخليج بالمقاييس التي تعتمد عمق العلاقات والهوية الواحدة ووحدة الهدف والمصير, ومن تلك التي عادة ما يدفع بها الينا باحثو التاريخ وقارئو خرائط العلاقات البشرية في اطاراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية, ولا يمكن لمنظر ان يتكئ كثيراً على شعارات الساسة من اجل الوصول الى ما يربط الخليجيين امس واليوم وغداً, لأن المسألة وبكل بساطة واضحة ولا يمكنها ان تغيب عن عين أي راصد. لهذا يصبح خبر مثل انتهاء النزاع بين البحرين وقطر مناسبة للفرح في كل مكان, في البيت على طاولة الطعام بين رجل وزوجته, في المدرسة بين طالب وآخر, في ملعب كرة القدم بين لاعب خط الهجوم وحارس المرمى, بين عجوز يجلس على كرسي الانتظار في عيادة وآخر خرج للتو من عند الطبيب, بين سعودي ينتظر في صالة المطار واماراتي يعبر من امامه, بين عماني يهاتف قطرياً للتهنئة, وكويتي يصافح ضيفه البحريني, بين خليجيين مغتربين عن المكان هناك بعيداً في بلاد الرذاذ البارد والصقيع. يحدث هذا الفرح وبقوة, ولهذا نقول ان الحالة في النفوس تقود تماماً الى المكان نفسه, مكان الالتقاء الدائم منذ القدم منذ ان ركب الخليجي سفينة واحدة وجرت السواعد حبلا واحداً للاشرعة المسافرة, منذ ان تجولت قافلة بين الكثبان الرملية تعبر المسافات بين خيام الشعر بحرية تامة, يحدث الفرح الكبير حتى وان كانت هناك خمسة اعلام, وخمسة مسميات, وخمسة كيانات يختلف زي وشعار عسكرها. بهذا الفرح تكبل الرابطة كل خلاف وتلفظه, وبهذا ايضاً ينتفي المعنى الشعاراتي في عبارة (خليجنا واحد) ويذوب من الجلد الى الجلد لان القلب الذي ينبض فيه قلب الجميع وان تغيرت الطريقة التي نلبس فيها ازياءنا التقليدية. تفرغ البحرينيون والقطريون مما شغلهم فترة طويلة واذا كانوا قد اعلنوا بالامس عطلة لافساح المزيد من الوقت لكي يمر تيار الود والحب من جديد الى القلوب, فالوقت كان قد تعطل لفترة بانتظار ما ستسفر عنه حالة الوئام الخالية من الازعاجات من انجازات واستحقاقات مرحلية كان يفترض تحققها في الزمن الذي ضاع بين دهاليز الخلاف, زمن التلاحم من اجل اسهام فعال في دفع دعائم وحدة الروح الخليجية المنطلقة نحو الحضارة المتطورة القادرة على الفعل في زمن الانجازات العظمى. ان منطقة الخليج, هذا المكان الدافئ بماضيه وبعراقته, المتهيئ تماماً ليتشكل كبؤرة مركزية لاحداث مهمة في التطور الحضاري العالمي, وكمؤثر مهم في امواج الافكار الكبرى لا يحتاج لضياع الدقائق, بل يحتاج اكثر لألفة العقول والالتقاءات الحاسمة. ان الزمن في منطقة الخليج بما يعنيه الزمن لمستقبل أجياله المقبلة اثمن من الجوهرة النادرة, وما يجب ان يكون يجب ان يكون لا بحساب العواطف بل بحساب العقول الرصينة. وآخر الكلام.. الحب دائماً يثمر الحب.