بين يدي مطبوعة إعلانية أسبوعية تصدر في إحدى امارات الدولة وتوزع مجانا, وهي خدمة نوعية جديدة اقتضت ادخالها حركة التغيير التي شهدتها دولتنا ومتطلبات السوق وطبيعة مجتمعنا الاستهلاكية التي جعلت أصحاب، المطبوعة يفكرون في اصدارها وتوزيعها مجانا مقدمين لقرائها خدمة تصلهم في بيوتهم وأماكن عملهم دون عناء وتساعدهم في الاختيار عند الشراء, وإن كانت مساعدة موجهة بالطبع باتجاه البضاعة التي تعلن عنها المطبوعة والتي يشكل بائعوها مصدر الدخل والتمويل لناشري المطبوعة. هل نحن مع هذا النوع من المطبوعات أم ضده؟ ليست هذه هي القضية, فطالما اننا قد ارتضينا لأنفسنا أن نكون مجتمعا استهلاكيا لا يحتل الانتاج سوى هامش ضئيل جدا من حياته فإن وجود مطبوعات من هذا النوع يصبح أمرا طبيعيا ولا يخرج عن كونه مكملا أو شكلا مطورا ومكثفا لصفحات الاعلانات التجارية والمبوبة التي أخذت تزحف على المادة التحريرية في صحفنا المحلية وتكاد تلتهم معظمها, وكلما زادت مساحة هذه الاعلانات اتسعت ابتسامة إدارات المؤسسات الصحفية وزادت مساحة الفرح في قلوبها, وامتلأت خزائنها بالأموال التي تغطي ميزانياتها وتعكس ــ في العرف الصحفي ــ نجاح الصحيفة في الوصول إلى شريحة أكبر من القراء وأمورا أخرى ليس هذا مجال ذكرها. هل نحن بحاجة إلى هذا النوع من الخدمة؟ ربما كنا فعلا بحاجة إليها في ظل سوق مفتوحة تستقبل بضائع من كل أنحاء الدنيا, من بلدان سمعنا بها وأخرى لم نسمع, وفي ظل أسعار يحددها تجار السوق دون ضوابط تحمي المستهلك من الاستغلال والغش أحيانا رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها البلديات والدور الذي تلعبه في هذا المجال. ومرة أخرى أقول ليست هذه هي القضية التي لفتت نظري ودعتني إلى التطرق إلى هذه المطبوعة الاعلانية التي قلبت صفحاتها الأربع والعشرين من حجم التابلويد فاسترعى انتباهي جانب احتل ثماني صفحات منها أي ثلث المطبوعة وتوزع تحت عناوين ثلاثة هي (يطلب عملا ــ فرص عمل ــ دروس تعليم). وقد هالني عدد الباحثين عن عمل في المطبوعة وتنوع اختصاصاتهم وجنسياتهم وغرابة بعض المهن التي يبحثون عن وظائف فيها, الأمر الذي دعاني إلى قراءة الأبواب الثلاثة بعناية وحصر طلبات البحث عن وظائف والفرص المتاحة لأخرج بحصيلة مقدارها أربعمئة وأحد عشر طلبا مقابل خمس وسبعين فرصة عمل معلن عنها! أربعمئة وأحد عشر مقيما وزائرا يبحثون عن عمل في مطبوعة واحدة إذا ما أضيف إليهم الباحثون عن عمل في بقية المطبوعات الأخرى الصادرة في الدولة عربية وانجليزية ومكاتب التوظيف المتخصصة خرجنا بحصيلة مرعبة عن عدد العاطلين عن العمل المقيمين على أرض دولتنا ليواجهنا سؤال حائر عن كيفية دخول هذا العدد الهائل وعن كيفية اقامتهم بالدولة بعد انتهاء مدة تأشيرة الزيارة التي يشير بعضهم صراحة لحمله لها في طلب البحث عن الوظيفة وإذا ما أردنا أن نتحدث بصراحة أكثر فلنقل عن الاقامات الوهمية التي يحملها بعضهم والممنوحة لهم من شركات ومؤسسات على سبيل المجاملة أو حلا للاشكال لحين عثورهم على أعمال فعلية ونقل اقاماتهم عليها. تتنوع هذه الطلبات وتتوزع بدءا من عمال النظافة في الشركات والمكاتب وانتهاء بحملة الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه في الاقتصاد والهندسة والعلوم, مرورا بمهن مختلفة وجدت في استعراضها متعة حيث لم يخل الأمر من طرافة كاعلان الطباخ الذي وصف نفسه بأنه (ملتزم دينيا) وطلب العمل لدى عائلة أو مطعم ثم أبدى استعداده للعمل بالشركات والفنادق, أو مدرس الرياضيات الذي يعرض نفسه بأسعار خاصة جدا, أو طلب معلم مفاتيح شريطة أن يتمتع بخبرة في فتح أبواب السيارات! وقد أحزنني فعلا الاعلان التالي: (شاعر وأديب وعازف للعود والكمان ومخرج لوحات تعبيرية استعراضية يطلب عملا مناسبا)! من بين الأربعمئة والأحد عشر طلبا هناك ما يقرب من مئة وعشرين طلبا لمدرسين في مختلف المواد والتخصصات منهم حملة ماجستير ودكتوراه يعرض بعضهم اعطاء دروس خصوصية بينما يبحث أغلبهم عن وظيفة في مدرسة خاصة أو معهد. وإذا ما افترضنا أن الباحثين عن عمل من خلال النشر في المطبوعات كهذه النشرة الاعلانية وغيرها هم نسبة من مجموع العاطلين في دولتنا فهي نسبة لا شك ضئيلة لن تتجاوز العشرة بالمئة في أفضل الحالات لكون العمالة الغالبة في بلدنا هي من فئة العمال الآسيويين الذين لا يقرأون ولا يكتبون, وإذا هم قرأوا أو كتبوا فبغير اللغتين العربية والانجليزية, وبالتالي فان فكرة النشر لا تراودهم إذ لهم وسائلهم الخاصة في البحث عن العمل بعد أن اشتروا التأشيرة ثم أُطلقوا في البلد للبحث لأنفسهم عن مصدر رزق في جهة ما, بينما يسعى بعضهم لتحسين مستواه المادي والبحث عن عمل براتب أفضل, ويتطلع بعضهم إلى عمل أكثر دخلا وراحة وأقل مجهودا. وفي كل الأحوال فهذه الفئة تكمل الصورة التي بدأنا رسمها بأربعمئة وإحدى عشرة حالة تبحث عن عمل في مجتمع يقبع خريجو الجامعات من مواطنيه في منازلهم سنوات بعد التخرج ويتوقع أن يصل عددهم خلال أربع سنوات إلى مئة ألف عاطل لعدم وجود شواغر كافية لهم في المؤسسات الحكومية, وعدم قدرة أو رغبة القطاع الخاص في المساهمة في حل هذه المشكلة باستيعاب بعضهم, وعدم وجود تشريع ملزم من قبل الدولة لهذا القطاع كي يتحمل مسئولياته في حل هذه المشكلة بعد أن وفرت له الأجواء المناسبة لينمو ويتوسع ويحقق الأرباح الطائلة في منأى عن الضرائب الباهظة ومخاطر التأميم والمصادرة التي عادة ما يهرب منها رأس المال وتمثل بالنسبة له البعبع الذي يقض منامه ويقضي على أحلامه. فإذا ما اكتملت لدينا الصورة تمثلنا مئات الأبحاث والدراسات والمقالات التي قرأناها عن خلل التركيبة السكانية والوضعية الغريبة التي يعاني منها مجتمع يمثل أبناؤه أقلية تبحث لها عن مكان وسط أغلبية أجنبية تعاني هي الأخرى من مشاكلها الخاصة, وتداعت إلى أذهاننا عشرات الحلول التي طرحت لمعالجة هذا الخلل, واستعرضنا تاريخ وطن بدأ من نقطة الصفر, وعانى في مرحلة من المراحل من شح الموارد وضيق سبل العيش حتى منَّ الله عليه بالثروة وتفجرت ينابيع الخير من باطن أرضه لتفيض وتغمر الجميع, وتبدأ مرحلة البناء وتأسيس البنية التحتية وتشييد مشاريع النهضة الحديثة بفروعها المختلفة في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الضرورية من محطات كهرباء ومياه وشبكات طرق وأنواع من الصناعات والاستثمارات العقارية, الأمر الذي تطلب عمالة لاقامة هذه المشاريع وتشغيلها بعد ذلك, لنجد أنفسنا بعد سنوات أمام مشكلة أخرى نبحث لها عن الحلول المناسبة, ونسأل أنفسنا إن كنا قد تجاوزنا الحدود التي كان يجب أن نقف عندها أو عابنا عدم التخطيط السليم لبناء مجتمع متوازن الاحتياجات لا يخشى في يوم من الأيام من ضياع هويته أو يعاني من الخوف على ضياع منجزاته والمكانة الرفيعة التي حرصت قيادته على صنعها وبذلت في سبيل ذلك كل ما يمكن أن تبذله قيادة لإسعاد شعبها ووضعه في المكان الذي يستحقه بين الشعوب والأمم. إنها ليست قضية أربعمئة وأحد عشر عاطلا يبحثون عن عمل في مجتمع يصنع الفرص ويتيحها للجميع, ولكنها قضية المحافظة على أمن هذا الوطن واستقراره وهويته وتلك المكانة الرفيعة التي صنعتها له قيادته الرشيدة التي هي قادرة دون شك على معالجة هذا الخلل. فشكرا لتلك المطبوعة الاعلانية التي أثارت هذه الخواطر فاستدعى ذلك رمي حجر في مياه البركة, وما أحوجنا لأحجار أخرى تحرك تلك المياه الراكدة كي لا تأسن وتسبب أمراضا يصعب بعد ذلك علاجها, وقديما قالت العرب: (داو جُرحك لا يتسع) فهل ندرك أنفسنا قبل أن يتسع الفتق على الرتق؟!