قبل ان نتوغل في بحث الظروف والملابسات التي افرزت في النهاية مشروع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن, يستحسن ان نستعرض البنود الرئيسية للمشروع نفسه, هذه البنود كمايلي: * تركيز السياسة الامريكية على موضوع اساسي غالب هو انهاء الحرب في جنوب السودان. * انشاء قوة ضغط دولية بمشاركة الولايات المتحدة لادارة حوار بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية لغرض انهاء الحرب كوسيلة مركزية لتحقيق الاستقرار في شطري السودان وهذه القوة الدولية يقترح ان تتكون من دول في الاتحاد الاوروبي ودول مجاورة للسودان بالاضافة الى الامم المتحدة. * تعمل هذه القوة الدولية الدبلوماسية على اساس اتفاق مسبق بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية لاتخاذ مبادرة (ايجاد) اساسا للتفاوض. * يهدف التفاوض الى ترتيب فترة انتقالية يجري بعدها استفتاء لتقرير المصير للجنوب وتقوم الفترة الانتقالية على صيغة (سودان واحد ونظامان). هذا هو مجمل ابرز واهم النقاط المفصلية التي يشتمل عليها المشروع, وأول ملاحظة تفرض نفسها على الفور هي ان هذا الخط التفكيري الامريكي الجديد بشأن جنوب السودان ينطوي على ادانة ضمنية للسياسة التي انتهجتها ادارة كلينتون, وبالتالي فإن ادارة بوش اذا تبنت المشروع رسميا تكون غيرت رؤية الولايات المتحدة الى القضية بمقدار 180 درجة, وتتوافر في الحقيقة مؤشرات اولية يمكن ان يستدل بها على ان ادارة بوش قبلت المشروع فعلا ان لم تكن هي الجهة التي اوعزت اصلا الى مركز الدراسات باعداده, من هذه المؤشرات الاولية: اولا: ان وزير الخارجية كولن باول عقد اجتماعا شارك فيه كبار المسئولين في وزارة الخارجية وكبار المسئولين في (مجلس الامن القومي) الامريكي, اعلن بعده ان الادارة قررت اعطاء المسألة السودانية اولوية في اطار سياسة جديدة. ثانيا: ان من ابرز اعضاء الفريق الذي عينه مركز الدراسات الامريكي لاعداد ورقة المشروع المثقف السوداني الجنوبي د. فرانسيس دنيف, واختيار د. فرانسيس ليس في تقديري نابعا من مكانته السياسية والاكاديمية بقدر ما هو نابع من كونه يعمل لدى (معهد بروكنقز) الامريكي في واشنطن ـ فهذا المعهد هو احدى المؤسسات الامريكية التي تتولى تمويلها وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. * ويأتي فريق العمل الذي عينه مركز الدراسات على ذكر الاسباب التي دفعت اصلا الى التفكير في المشروع فيورد ملاحظات مثيرة اهمها مايلي: ـ ان الحرب في جنوب السودان لم تأت بنتيجة سياسية (ملائمة للمصالح الامريكية بالطبع) رغم استمرارها لمدى 17 عاما. ــ ان انتاج النفط في السودان وتصاعد معدلاته قلب الميزان العسكري لصالح الحكومة ضد قوات قرنق. ـ ان المبادرات الاقليمية لحل مشكلة جنوب السودان سلميا (والاشارة هنا الى كل من مبادرة ايجاد والمبادرة المصرية الليبية المشتركة) ليست واعدة. ـ ان للولايات المتحدة ميزة تؤهلها لتبني مبادرة مثمرة من حيث ان واشنطن لديها وسائل ضغط واغراء تجاه طرفي المشكلة خاصة انها الداعم الرئيسي للمعارضة الجنوبية. وتبقى لدينا ملاحظة صغيرة الحجم كبيرة المغزى: تستخدم ورقة المشروع عبارة (المعارضة الجنوبية) عوضا عن (الحركة الشعبية لتحرير السودان) او (الجيش الشعبي). فهل يريد اصحاب الورقة ان يقولوا ان حركة قرنق ليست في نظرهم الممثل الاوحد لشعب جنوب السودان؟