منذ بداية الانهيار الذي حصل على المستوى العالمي, وارتهان مصير العالم إلى ما يسمى بالنظام الأحادي القطب, بدأت الدول الوطنية ومن بينها الدول العربية تعيش حالة من السجالات الفكرية غير المكتملة, وغير المنتظمة والتي لا ترتكز أساساً على قاعدة علمية للتوصل إلى نهايات سعيدة قد توصلنا إلى نتائج مرضية نؤسس عليها منظوماتنا الفكرية, بأبعادها السياسية والاجتماعية المؤسساتية. وقد أخذت هذه السجالات تشغل مساحة لا يستهان بها بداية من قمة الهرم السياسي الاجتماعي في هذه المجتمعات وانتهاء بالقاعدة العريضة لهذا الهرم, بما في ذلك الكتلة الصامتة التي غالباً ما تكون أقرب إلى حالة اللامبالاة حتى في أحلك الظروف وأكثرها ظلمة, والتي كانت ولا تزال مطالبة باتخاذ جملة من المواقف الجادة باعتبارها الكتلة الأوسع داخل مجتمعاتها, بعيداً عن كل الاعتبارات, إن كانت تصب في خدمة النظم السياسية أو في خانة تلك الفئات الأخرى المقابلة في العملية السجالية الدائرة رحاها على صفحات الجرائد وعلى شاشات الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى, هذه الأيام. وتمثلت هذه السجالات بطرح حزمة من القضايا مثل قضية مؤسسات المجتمع المدني وشكل هذه المؤسسات بما في ذلك قائمة هذه التسميات , وما يستتبع ذلك من شعارات مبعثرة قد تحمل بعض الزيف حيناً والضبابية أحيانا. انطلاقاً من المقولات الرائجة المختزلة راهناً بمقولة -أو شعار إذا شئت - ما يسمى بالسلم الأهلي الذي ستؤمنه هذه المؤسسات, منطلقين من قناعة شبه مطلقة بأن مجتمعات دول العالم الثالث بعامة, والدول العربية بخاصة لما يتحلى به النظام العربي, من استحواذ على كافة مناحي الحياة, تفتقد إلى مثل هذه المؤسسات. متجاهلين, أو على الأغلب مسقطين أي دور للأحزاب السياسية, التي كانت قائمة ولا تزال بعيداً عن المآخذ الكثيرة إزاء هذا الحزب أو ذاك, ولاغين كل ما من شأنه أن يسمى بالجمعية والرابطة والنادي والنخبة على تنوعها واختلاف اتجاهها ومشاربها سياسية كانت أم ثقافية وفنية. وقافزين أو مسقطين من هذه على الدور الذي لعبته دور العبادة, إسلامية كانت أم مسيحية, والتي جمعت تحت أسقفها ملايين البشر من أكثر من ألف وأربعمئة عام ونيف ولا تزال هي إحدى مظاهر المجتمع المدني, التي تفتقد إليها العديد من الدول المتحضرة, مثل هذا الحشد الكبير حتى بما في ذلك الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة الأمريكية الجمهوري والديمقراطي, اللذين لا يستطيعان جمع منتسبيهما أو مؤيديهما إلا مرة واحدة في كل أربع سنوات, أي لحظة بداية حملاتهما الانتخابية وهذا الجمع غالباً ما يفتقد إلى وحدة الموقف, ولعل اللوبيات التي نتحدث عنها عندما نتناول هذا المجتمع, هي التعبير الحقيقي عن حالة عدم التوحد حتى الشكلاني منه, والاختلافات غير النزيهة أصلاً لأنها تقوم على مصلحة الأفراد والشركات, والتجمعات الاثنية والدينية الفاعلة, ومثلنا الصارخ هنا اللوبي اليهودي , الذي يتحلى بفاعلية سياسية كبيرة جداً, بصرف النظر عن حجمها العددي, بعيداً عن مصالح الكتلة الصامتة الواسعة لديها هي أيضاً. انطلاقاً من ذلك يمكنني القول ان مؤسسات المجتمع المدني على مستوى دول الجنوب والعالم العربي , لا تزال مجرد تعبيرات ثقافية, مغلفة بلبوس سياسي أو اجتماعي في بعض الأحيان, وليست مؤسسات لإرساء السلم الأهلي كما يحلوا للبعض العربي المثقف أن يراها هكذا. وقد يكون تحميل الأشياء بأكثر مما تحتمل, هي حالة من المغالاة التي لا معنى لها, وتفتقد إلى آليات تنفيذ هذه الأفكار على أرض الواقع, والأصح أن تطرح هذه الفئات الشراكة السياسية, كون القضية بالنسبة لهؤلاء برمتها تختزل بعملية المشاركة السياسية السلطوية, بعيداً عن المناورة, وإذا كان الأمر غير ذلك ما الذي يجمع أقصى اليمين السياسي مع أقصى اليسار بشراكة البرجوازيات بكل أنواعها بداية من الصناعية وانتهاء بالتجارية التي تعتاش, على السمسرة وعقد الصفقات والالتفاف على القوانين, التي ساهمت أصلاً في ضرب مصداقيتها وعطلت آليات تنفيذها, من خلال التخريب المنظم عبر الرشوة وغيرها من وسائل الفساد والإفساد؟!! وهنا تحضرني الذاكرة, بأنه إذا كانت مؤسسات المجتمع المدني, وحدها القادرة على إرساء السلم الأهلي, ما الذي منع هذه المؤسسات على سبيل المثال في دولة متحضرة مثل بريطانيا, من وضع حلول مرضية للمشكلة الايرلندية؟!! والتي لا تزال تشكل الخاصرة الرخوة في المجتمع البريطاني, وبقيت عصية على الحل رغم الوساطات الخارجية التي جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة عضو الكونجرس السابق جورج ميتشل, وقد وقع الاختيار عليه تحديداً لانه يدين بذات المذهب المسيحي الكاثوليكي الذي يدين به غالبية السكان الايرلنديين بما في ذلك الجيش الجمهوري الايرلندي؟ وقد تكون القضية أكثر وضوحاً في إسبانيا التي تشهد كغيرها من أخواتها الأوروبيات تصاعد ثورة اليمين القومي, بعد سنوات طوال من بناء مجتمعها المدني. بل أكثر من ذلك, أن ما تعيشه إسبانيا من إشكاليات قومية في إقليم الباسك, ومن خلال كل أحزابه ذات الصبغة القومية الاستقلالية المنضوية تحت اسم الجبهة القومية رغم اعتدالها السياسي لا تزال تراهن, على صيغة تسوية لحكم ذاتي يراعي الخصوصية الباسكية. ناهيك عن منظمة إيتا الاستقلالية المسلحة التي رغم التغيرات الكونية لا تزال مصرة على إنتاج الكفاح المسلح والاغتيالات السياسية كطريق وحيد لحل مشكلات الإقليم المستعصية, معتبرة من خلال برامجها السياسية المعلنة, بأنه لا يمكن تجاوز الخلفيات التاريخية والجوانب الاجتماعية إلا بالاستقلال الكامل والناجز عن إسبانيا الأم. إذن قضية السلم الأهلي في الدول المتحضرة, أو في الدول النامية على حد سواء, ليست قضية مرتبطة بفاعلية واتساع عمل المنظمات الأهلية, على أهميتها, كما يحاول البعض الباحث عن دور سياسي أصلاً التبشير بها في مجتمعاتنا, واشراكها بدوائر صناعة القرار وأن ما يصنع الاستقرار بالمرتبة الأولى, تطور الأداء الحكومي, بحيث تقوم المؤسسات الحكومية بواجبها المناط بها على أكمل وجه وأن تعمل على ترميم ذاتها باستمرار لمجاراة التطور العالمي بهدف الارتقاء بالمجتمع, انطلاقاً من تمثلها للأنظمة والقوانين النافذة, التي تؤدي إلى تذليل الصعوبات والعقبات التي تعترض آليات التطور المجتمعي , أمام المواطن أياً يكن هذا المواطن, بعيداً عن انتماءاته السياسية ومواقعه السلطوية, وانطلاقاً من القاعدة الاساسية التي تقوم على احترام سيادة القانون. وإذا ما حلت هذه القضايا بالضرورة سيكون للمؤسسات الأهلية دورها المكمل لدور المؤسسات الحكومية, من حيث عملية تكاملية, لجهة التطوير الداخلي التي تؤمن حالة الاستقرار باستحداث مؤسسات إنتاجية, تخفف على أقل تقدير من حالة النزوح الداخلي باتجاه المدن الكبرى. وهذا يتطلب من هذه المؤسسات عدم التهرب من مستلزماتها, إن كانت الضريبة أو الضمان الصحي والاجتماعي التي أنشئت من أجلها, والعمل بالشراكة الوطنية من حيث إسهامها بإجمالي الناتج القومي لهذا البلد أو ذاك, والسعي لتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أهملت في مرحلة ما كان يسمى بالحرب الباردة, ما أمكنها ذلك, جراء عملية تكاملية خلاقة, وليست تنافسية, وبما يحصنها في مواجهة المخاطر الخارجية التي تهددها. خاصة وأننا ندرك أن المؤسسات الأهلية في أوروبا ساهمت كثيراً في الحرب العالمية الثانية في المجهود الحربي, كما وساهمت بعد نهاية الحرب بسبب ما خلفته تلك الحرب من عجز في مؤسسات النظم المتحاربة , والتي أملت على هذه المؤسسات الأهلية بأن تأخذ دور الرديف الشرعي في إعادة ترميم ما دمرته الحرب, على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والنفسية, وبقيت بعيدة عن التطلع إلى اقتناص السلطة ولعبة السياسة, بل على العكس من ذلك, فقد عملت كل ما بوسعها من أجل ترميم مؤسسات السلطة الوطنية. لكن يبقى السؤال, هل حقاً وصل أصحاب وجهة النظر التي تنادي بضرورة تنامي المنظمات الأهلية, إلى كشف حساباتهم المالية, بكل الصدق أمام جابي الضريبة كما تفعل المنظمات بالغرب؟ وهل وصلوا حقاً إلى القناعة بضرورة العمل على ترميم المؤسسة العامة كأولوية من أولوياتهم؟ أم أن كل ما يطرح مجرد مداخل علها تؤمن لهم الشراكة السلطوية؟ أسئلة كبيرة وكثيرة تبقى برسم أصحاب العقد والحل, وبرسم أصحاب دعوات المجتمع المدني. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق