نفس الصحيفة التي طالعت فيها تفاصيل رحلة وفد علماء المسلمين إلى أفغانستان التي فشلت في منع قضية إعلان الحرب على التماثيل.. حملت إلينا دون قصد ــ طائفة من الأنباء والتقارير التي لو جمعناها لظهرت لنا صورة خطيرة لما يتم تدبيره ضد عالمنا العربي والإسلامي. الصحيفة التي أنبأتنا على استحياء ــ أن الوفد الذي ضم علماء مسلمين أفاضل ذهب فوجد أن الوقت قد فات والتماثيل التاريخية قد تم تدميرها, وكان عليه أن يسمع محاضرات في صحيح الدين من السادة (المجاهدين) في أفغانستان المنكوبة. نفس الصحيفة وفي نفس العدد قدمت لنا صورة هذه بعض عناصرها: في الجزائر.. كان العائدون من الجهاد في أفغانستان يذبحون 22 من المزارعين الفقراء الغلابة الذين لا يعرفون بوذا ولم يعبدوا تماثيله ولم يخرجوا عن الإسلام ولم يأملوا إلا في العيش في أمن وسلام. جاء (المجاهدين ) وقيدوا الرجال ثم أعدموهم أمام نسائهم وأطفالهم ثم انسحبوا مهللين مكبرين بعد أن اكتفوا بذلك ولم يأخذوا كعادتهم النساء المسلمات معهن ليتحولن إلى سبايا ! في أمريكا.. كانت وسائل الاعلام تبرز محاكمة جزائري آخر بتهمة نقل متفجرات عبر الحدود مع كندا بهدف تفجير بعض المنشآت اثناء مؤتمر سياتل قبل عدة شهور. وكانت محاكمة أخرى تجري لأربعة متهمين بالتآمر مع بن لادن لتفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام. في أوروبا كان مستشار الرئيس الروسي بوتين يؤكد في مؤتمر دولي أن الغرب لا يأخذ على محمل الجد التهديد القادم من حركة الإسلام الدولية التي تسعى لتفتيت روسيا وإشاعة عدم الاستقرار في العالم ! في أمريكا مرة أخرى.. كانت وزارة الخارجية تكتشف فجأة أن أكبر مأساة إنسانية يشهدها العالم هي تلك التي تجري على أرض السودان, وكانت تعلن عن خطة جديدة لإنهاء الحرب في جنوب السودان تحت إشراف أمريكا بإقامة دولة ذات نظامين مختلفين. وهو أمر يمكن أن يؤدي إذا لم يتم التعامل معه بجدية إلى تقسيم السودان رسميا. في مصر.. كانت القوى الوطنية من المسلمين والأقباط تعلن إدانتها لزيارة تتم هذا الاسبوع لبعثة من الكونجرس الأمريكي لتقصي الحقائق حول أوضاع الأقباط في مصر والمزاعم التي يجري ترويجها عن اضطهاد ديني لأقباط مصر. ووسط هذا كله.. كان يجري تصريح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بأن القدس هي عاصمة إسرائيل, وأن أمريكا ملتزمة بقرارها نقل سفارتها إلى هناك. وكانت واشنطن تعلن عن الزيارة الأولى للسفاح شارون بعد أن أصبح رئيسا للوزراء, وكانت حكومة شارون تنفذ سياستها لحصار الفلسطينيين داخل مدنهم وقراهم وشن حرب التجويع ضدهم, وترفع شعارها الجديد وهو (الأمن مقابل الغذاء ) أي أن على الفلسطينيين أن يتوقفوا على المقاومة ويتوبوا عن الانتفاضة ويرضخوا للاحتلال ويمتنعوا عن تعكير صفو جنرالات إسرائيل.. وبعدها يحصلون على ما يمنعهم من الموت جوعا ويتوافر لهم بعض الغذاء. هذه بعض ملامح الصورة في صباح يوم تعانق فيه الضعف مع الجهل مع التآمر ليفتح الباب لما هو أسوأ في حرب أصبحت سافرة بعد أن انتهت الحرب الباردة بانتصار غربي أمريكي, وأصبح مطلوبا أن يكون هناك عدو جديد يتم حشد الغرب لمواجهته. ومن هنا تجئ خطورة ما يحدث في أفغانستان لأنها تكشف عن الكثير مما يدبر, فالأمر هنا لا يتعلق بخلاف في الفتوى أو الاجتهاد فهذا أمر محسوم وقد قال العلماء كلمتهم, ولا يعقل أن يكون كل أئمة المسلمين من عصر عمر بن الخطاب وحتى اليوم على خطأ وزعماء طالبان وحدهم هم الذين أوتوا الحكمة وبانت لهم الحقيقة. الأمر ليس خلافا على فتوى, وإنما خلاف على مستقبل أمة يراد لها كلها أن تتحول إلى افغانستان. الإسلام لم ينشئ عصابات الإرهاب في أفغانستان, بل أمريكا هي التي أنشأتها والمخابرات الأمريكية التي دربت وسلحت وجندت شباب المسلمين من كل أنحاء العالم ليخدموا أهدافها. وعندما انتهت مهمتهم في افغانستان بدأت مهمتهم في تخريب العالم الإسلامي, وإذا كانوا قد نجحوا في الجزائر, فقد حاولوا ــ ومازالوا في بلاد أخرى, وما فعلوه في مصر ( على سبيل المثال ) كان درسا في استغلال الشباب المسلم لتحقيق أهداف قوى كبرى لا تريد الخير للعرب أو المسلمين.. قتلوا الأبرياء وحاولوا نشر الإرهاب, وضربوا السياحة وأضروا بالاقتصاد, وشوهوا صورة الإسلام السمحاء, وحاولوا زرع الفتنة الطائفية.. لكن شعب مصر كان أقوى من كل هذه المخططات التي كانت تأخذ طريقها للتنفيذ كلما اتخذت مصر موقفا وطنيا أو قويا, وعندما تستعيد شيئا من عافيتها الاقتصادية وتؤدي دورها القوي وتقف ضد المخططات الإسرائيلية الأمريكية ضد الحقوق العربية. الإسلام لم ينشئ عصابات الإرهاب في أفغانستان, بل أمريكا هي التي فعلت, والمسلمون جميعا يدفعون الثمن وشعب أفغانستان في مقدمة الضحايا.. فهو يعاني الفقر والجوع ويموت أطفاله مثل أطفال العراق بسبب حصار أمريكي جائر تفرضه لكي تبقى الأوضاع كما هي, ولكي تعاقب من يخرج عن الخط المرسوم له, ولكي تمنع العملاء القدامى من أن ينتقموا منها حين تنتهي مهمتهم. ولاشك أن الأوضاع في أفغانستان صعبة, وأمريكا لا تريد خروجا على الخط, وتريد أن يتوجه الإرهاب إلى الدول العربية والإسلامية, وألا ينخرط الشباب المسلم في جهاد حقيقي ضد مخططاتها ومخططات الصهاينة. ولاشك أن شعب أفغانستان يستحق المزيد من اهتمام المسلمين به ومحاولة إنقاذه من الواقع الذي يعيش بين أحوال اقتصادية رهيبة واستغلال بشع للإسلام بين جنرالات الحرب الذين يقاتلون بعضهم بعضا ويدمرون كل شيء في البلد المسلم. كل هذا صحيح ولكنه لا ينبغي الأخطاء البشعة التي يتم إرتكابها بإسم الإسلام, ولا يجب على السؤال الذي يثيره قرار بدء حرب التماثيل في افغانستان, وهو القرار الذي كانت تعرف حكومة كابول أنه سيثير العالم ضدها, وسيسبب الأذى لقضايا المسلمين, وسيعطي الفرصة لأعدائهم للتشهير بهم. نعرف أن الضجة التي ثارت حول نسف التماثيل تكشف من بعض الوجوه نفاق العالم الغربي الذي يسكت على موت الأطفال في العراق وأفغانستان نفسها, ويغمض العيون عن حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على شعبنا العربي في فلسطين.. ولكنها لهذا السبب بالتحديد تزداد شكوكنا حول توقيت القرار وأسبابه ودواعيه!! فنفاق العالم الغربي ليس بحاجة إلى اكتشاف جديد, وموقفهم المنحاز لإسرائيل وضد العرب والمسلمين ليس جديدا, ولكن مقاومة ذلك لا تأتي بأن نعطي المنحازين مبررا لانحيازهم, أو نمنح أعداء الأمة سلاحا يستخدمه ضدنا !! لقد قال علماء المسلمين وخاصة في الأزهر الشريف كلمتهم التي حفظت للإسلام وجهه المشرق وللمسلمين سماحة دينهم, ولكن السؤال يبقى : لماذا يحدث ما حدث. ولماذا الآن ونحن نقاتل لاستعادة القدس وإنقاذ الأقصى, ونواجه حملة تشويه ظالمة تستغل ما يفعل السفهاء منا أحيانا, وما نواجهه من مؤامرات خارجة في أحيان أخرى ؟! نعم. لماذا, ولماذا الآن ؟ هل لنبرئ ساحة شارون وحكومته من دم الأطفال الفلسطينيين, ولنبرئ ساحة الأمريكان من دم أطفال العراق, ولنجعل نضال جنوب السودان إنقاذا للجنوبيين من بطش المسلمين, ولتضيع القدس إلى الأبد ؟! إن تحرك طالبان وهدم التماثيل والضجة التي صاحبت ذلك تفتح الباب أمام ما هو أخطر.. وعندما تتدافق هذه التحركات مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي حول حتمية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عاصمة إسرائيل, وإصرار شارون وحكومته على إبقاء القدس تحت الهيمنة الصهيونية فإن ذلك يثير ما هو أكثر من التساؤل ! وحينما يقول مدير اليونيسكو أن المنظمة الدولية لا تستبعد الرد على ما حدث من طالبان بتدمير ممتلكات ثقافية إسلامية.. فعلينا أن نفتح العيون جيدا.. فالرد قد لا يكون ضد مسجد في الهند أو شرق آسيا فقط كان يتوقع البعض, والحادث قد لا يستغل فقط في تعزيز مطالب الصهاينة في إستمرار احتلال القدس والسيطرة على الأقصى, ولكنه قد يستغل لتدبير جرائم أخطر ضد المقدسات الإسلامية وضد الأقصى الأسير بالذات. إن علماء المسلمين قد أبرزوا الوجه الحقيقي للإسلام بإعلام الموقف المتحضر من احترام ثقافات كل الشعوب, وهذا موقف أساسي في مواجهة الحملة المدبرة. ولاشك أن المرارة تملأ قلوب المسلمين جميعا وهم يرون الإعلام الغربي يستغل هذا الخطأ للتشهير بالإسلام والمسلمين بينما يغمض عيونه عن الجرائم التي ترتكب في حق العرب والمسلمين.. ولكن هذا لا ينبغي أن يكون مبررا لما حدث ولا للقول بأن المسئولين في أفغانستان قد أكدوا لها لوفد علماء المسلمين أن الآثار باقية ولكن التماثيل دمرت (!!)فهذا استهزاء بالعقول لا يجوز ولا ينبغي قبوله أو الترويج له, لأنه يفتح أبوابا للفتنة لن يستطيع أحد أن يسدها. ولنتذكر هنا أن مصر شهدت على أيدي تلاميذ أفغانستان محاولة للاعتداء على متحف الآثار بالقاهرة, ومحاولة إرهابية أخرى عند معابد الأقصر وقد نجت الآثار ولكن مصر دفعت الثمن من ضرب السياحة وضياع الدخل الهائل الذي كانت تدره لسنوات !! إن التردد في إدانة ما حدث في أفغانستان لا مجال له, فهو أساس التعامل العربي والإسلامي في هذه القضية. لقد وقعت الجريمة ولا ينبغي للإسلام ولا للمسلمين أن يتحملوا آثارها, وعلينا أن نواجه العالم بالحقيقة وأن نكشف المؤامرة على الإسلام والمسلمين. وأن نقول للعالم إن الإرهاب لم يكن صناعة إسلامية بل هو صناعة أمريكية إسرائيلية. وإن الإسلام الذي حفظ الحضارة الإنسانية قرونا طويلة وقدم فيها أعظم الاسهامات هو دين بناء لا دين هدم, ودين محبة لا كراهية. وأن كل المحاولات لتشويه وجه الإسلام سترتد على صانعيها, وأن محاولات تحويل المسلمين إلى (بعبع) يخيف العالم لن تخفي جرائم إسرائيل النازية ولا محاولات أمريكا لحصار الشعوب العربية واستنزاف ثرواتها والهيمنة على مقدراتها, وأنه إذا كان هدم تماثيل بوذا في أفغانستان كان خطأ, فإن أصناما عديدة صنعتها أمريكا لابد من تحطيمها.. بدءا من أكذوبة القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية وحتى أن قوات أمريكا جاءت للمنطقة لتبقى للأبد!