الاسبوع الماضي كتبت في هذه الزاوية عن المثير والغريب في هوايات البعض من الناس خاصة ونحن نعيش زمناً متحولاً تبدلت خلاله المعايير وتغيرت الموازين, فما كنا نعتقد انه عيب لا تبيحه الأعراف أو العادات أصبح عادياً نمارسه دون البحث عن موقعه في سجل المقاييس القديمة. وحتى لا يأخذنا القلم بعيداً, أبدأ من حيث انتهيت في الاسبوع الماضي وألتقط من الذاكرة وجهاً لزميل قديم له من الهوايات غريبها ومن الأفكار عجيبها هذا الزميل الذي كان يدق ابواب الفكرة المثيرة له, هواية اسمها البحث. والبحث هنا ليس بمفهومه الأكاديمي, بل بمفهومه الشعبي الذي يعني التفتيش, فقد طغت تلك الهواية على زميلنا العزيز فشربنا نحن تبعاتها, فهو شاعر يقرض الشعر ويتفنن في الالقاء وعلينا نحن ان نستمع, وهو مصور مثير تملكته تلك الهواية فأصبح مغرماً بها ولها ولكن علينا نحن أن ندفع ضريبة تلك الهواية لأننا المستهدفون بالصور وبالمغامرة سواء كانت بحرية أو برية او جبلية. وتبقى الهواية الأكثر اثارة وهي البحث كما قلنا سابقاً عن المجهول وقد تتساءلون اين؟ فأجيبكم في مقالب القمامة.. أي والله في مقالب القمامة والتي كانت بالنسبة له هواية ما بعدها هواية, ولا أدري ان كانت هذه الحالة المرضية التي تسمى هواية ما زالت تتوافق معه ام لا, خاصة وأن زمناً طويلاً مر دون ان اعرف اخبار هوايته! الذي جعل الذاكرة تتفتق عن وجه زميلنا وهوايته القمامية العجيبة خبر مثير جاء هذه المرة من تركيا, له نفس خصوصية هواية الزميل القمامي, فقد عثر بعض المواطنين الاتراك على وثائق من الأرشيف العثماني في مقالب للقمامة في مدينة أزمير التركية ما جدد اللغط الدائر حول اهمال هذا الأرشيف وضياع قسم منه واشار الخبر الذي نشرته صحيفة (الحياة) الى ان معظم الوثائق التي تم العثور عليها, هي مستندات ملكية لبعض الأوقاف التي انشأها السلاطين العثمانيون ومنها وقف الحرمين الذي أنشأه السلطان بايزيد الثاني, ووقف شيخ الاسلام فوزي اللي أفندي. وتبين ان مديرية الأوقاف في اسطنبول أرسلت هذه الوثائق الى معمل القمامة الخاص بالأوراق في أزمير على اعتبار ان لا قيمة لها.. وقد عثرت مجموعة من هواة البحث في القمامة عن تلك الأوراق واثارتهم طريقة تركها واهمالها مما دفعهم الى عرضها على المهتمين بالوثائق القديمة الذين التقطوها فوراً لأهميتها وقيمتها الحضارية والتاريخية. وقد اثار هواة جمع القمامة في تركيا أزمة تفاعلت بشدة, بعد ان لفت مؤرخون اتراك الى انه في عام 1911 كان في اسطنبول نحو مليوني قطعة ارض حكومية, مليون منها مخصصة للأوقاف ولم يبق للأوقاف حالياً سوى 50 ألف قطعة ارض فقط بسبب ضياع سندات تمليك الأراضي في ظروف مشابهة.. المثير هو ما شهده عام 1998 عندما باعت وزارة الخارجية التركية عدداً من الخزائن الحديد في مزاد علني على أنها خردة وفوجئ الذين اشتروا هذه الخزائن بملفات وأوراق مهمة مختومة بعبارة سري للغاية, ولم يستر هذه الفضيحة سوى تدخل الجيش الذي وضع يده على هذه الوثائق سريعاً واعادها الى الخارجية من جديد. ولأن القمامة تلقف ما صنعوا, اتذكر حكاية حدثت في مدرسة المهلب قبل ما يربو على ثلاثين عاماً, حيث عكف احد الطلبة على البحث في براميل قمامة المدرسة وبشكل دائم عن اوراق ربما يكون لها معنى بالنسبة له, وجاءت المفاجأة من حيث لا يحتسب, فقد كانت الامتحانات على الأبواب, ووجد بالصدفة اوراقاً محروقة, فحاول عبثاً محاولة قراءتها دون ان يستطيع فك طلاسمها, وبينما هو يبحث وجد اوراق الكربون (استانسل) ضمن الاوراق المحروقة, وهي بكامل وحدتها, حيث لم تصل النار اليها, واكتشف بعد ان تمعن جيداً في محتواها, أنها لامتحان منتصف العام الدراسي لمادة اللغة العربية, وتختص بنفس المستوى الدراسي الذي هو فيه, وهكذا ساهمت هواية البحث في القمامة عن تسريب هذا الامتحان بين الطلبة, دون ان تعلم ادارة المدرسة, ومعلم اللغة العربية, الذي فوجئ بالمستوى الجيد لطلبته في هذه المادة! وما يحدث في الحدائق والمنتزهات العامة ربما يفوق ذلك بمراحل, فقد حدثني احد الموظفين في بلدية دبي عما يتراكم من قمامة بعد ذهاب زوار الحدائق الى منازلهم, حيث نكتشف و(الكلام على لسان صاحبنا) اشياء مثيرة, فهناك قمامة عادية مثل اوراق المحارم والأكياس العادية وهناك ما يفوق ذلك فمثلاً تجد, هواتف متحركة, اوراق مكتوب عليها ارقام هواتف نقالة وهي ربما تكون عدة الغزل, مفاتيح مختلفة, باروكة شعر, عدة شوي, صحون, قدور, فحم, مجلات, صحف, عربات اطفال, احذية رياضية, كرة قدم, كرة طائرة, حصير, صندوق لحفظ الاشياء المثلجة, ملابس داخلية, حفاظات, وغيرها من الاشياء التي لا تجد ادارة الحدائق لها صاحباً رغم حفظها وتخزينها لشهور وسنوات لعل وعسى.. ولأن هواية البحث في القمامة لها ما يبررها وجدنا شركات تقوم بفرزها والتنقيب فيها وتدويرها والتقاط ملايين الدراهم من تلك البقايا المهملة.. فهل حاولت عزيزي ادراج تلك الهواية ضمن هواياتك المفضلة؟