تناولنا في الحلقة السابقة طبيعة التحالف أو الشراكة الإسرائيلية التركية وأهداف كل من الطرفين منها, وطموح تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي بمساعدة إسرائيل والشروط الصعبة التي وضعتها أوروبا لكي تنال تركيا ما تلهث وراءه منذ سنوات طوال. وفي هذه الحلقة نتناول طبيعة الشروط الأوروبية ودور الكيان الصهيوني في افساد العلاقات العربية التركية خاصة في ظل سيطرة جنرالات الجيش التركي المعروفين بانحيازهم للصهيونية ومعاداة العرب. شروط أوروبية إن الشروط الأوروبية لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي كثيرة ومتعددة وليست فقط قاصرة على تحقيق معدلات نمو اقتصادي عال أو فتح بورصة أو إيقاف اعدام اوجلان, بل إن الأمر يتطلب تغييرات جذرية ينبغي على تركيا إدخالها في قوانينها السياسية والمدنية والاقتصادية وحتى الصحية. خاصة ما يتعلق منها بالأقليات لاسيما الكردية, ووضع المرأة في أقصى الأناضول, والموقف من الأحزاب الإسلامية وهي مخالفة للثوابت الأوروبية إلى جانب قضية توحيد قبرص واعتراف تركيا بها, والمشكلة التاريخية الخاصة بالمذابح التي تتهم أوروبا تركيا بارتكابها ضد نصف مليون أرميني في عام ,1915 وضرورة تعويضهم. وهو القانون الذي تبنته الجمعية الوطنية الفرنسية أخيرا والذي سجلت فيه فرنسا تأييدها لحقوق الأرمن وضرورة تعويضهم.لذلك أصبح انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مسألة تؤرق النخبة الحاكمة هناك وحالة عاطفية تتعلق بشرف الأمة التركية وتأكيد هويتها. في حين أن الكثير من الأتراك يختلفون مع هذا المفهوم, ويرون أن تركيا لو بذلت نصف الجهد الذي تبذله في محاولة الإنضمام للإتحاد الأوروبي قد بذلته في العمل على توجهها نحو جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بمواردها, والتي تبحث عن قيادة لها لكان أجدى لتركيا, خاصة وأن بإمكانها إقامة تجمع اقتصادي مؤثر يؤهلها لتبوؤ مركز قيادي في منطقة القوقاز, ويكون له انعكاس على مركز تركيا على الساحتين الإقليمية والدولية, ناهيك عما تشكله هذه الدول من سوق واسعة للصادرات التركية التي يمكن أن يتضاعف حجمها بعد إنجاز مشروع جنوب شرق الأناضول الزراعي والصناعي الضخم. في حين ترى القوى المعارضة في تركيا والتي تضم الأكراد والمنضمين للتيار الإسلامي والعلويين أن انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي سيكون خيرا لهم, لما يضمنه لهم الاتحاد من الحصول على حقوقهم الإنسانية, خاصة وأن حجم الأكراد في بلدان أوروبا والبالغ عددهم 4 ملايين كردي يمكن لهم أن يشكلوا من خلال حكوماتهم ضغوطا على تركيا من داخل الاتحاد الأوروبي. الدور الإسرائيلي عندما تأزم الموقف بين تركيا وسوريا في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 1998 بسبب حشد تركيا قواتها على حدود سوريا, وتهديدها بتوجيه ضربة عسكرية ضدها بزعم دعمها لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يثير الارهاب في ربوع تركيا سعى الرئيس المصري حسني مبارك إلى نزع فتيل الأزمة من خلال المهمة المكوكية التي قام بها آنذاك خلال أربعة أيام زار فيها كلاً من دمشق وأنقرة عدة مرات حتى توصل إلى اتفاق مع الطرفين يقضي بخروج أوجلان زعيم الحزب الكردستاني من سوريا, واغلاق قواعد هذا الحزب في سوريا والبقاع اللبناني. وهو ما أكده فارس بويز وزير خارجية لبنان في 5/10/1998 خاصة ما يتعلق بمعسكر الأكراد في قرية حلوة المتواجدة على مسافة 2 كلم من الحدود السورية.وقد اعترف بذلك أيضا وزير دفاع تركيا عصمت سيزجين في 13 /10/ 1998 عندما صرح بأن بلاده تأكدت من أن سوريا قد أغلقت كل المعسكرات الإرهابية. وتم بعد ذلك عقد اجتماع امني في قرية (أضنة) على الجانب التركي من الحدود مع سوريا في 19/10/1998 تم فيه توقيع الاتفاق الذي عرف بـ (اتفاق أضنة) والذي نص على ابعاد عناصر حزب العمال الكردستاني من الأراضي السورية والتي تسيطر عليها في لبنان, ومنعهم من عبور الحدود من سوريا إلى تركيا, وتبادل ممثلين أمنيين, واقامة خط ساخن بين البلدين. وقد ذكر وزير خارجية سوريا فاروق الشرع في هذا الصدد (إننا لا نريد أن تتحول تركيا إلى عدو للعرب). وبعد توقيع هذا الاتفاق حدث تعاون أمني اقتصادي ملموس بين البلدين تمثل في اجتماع لجنة أمنية مشتركة لأول مرة منذ 12 عاما, وزيادة حجم التبادل التجاري من 540 مليون دولار إلى مليار دولار, وتوقيع اتفاقيات لمنع الإزدواج الضريبي وتسهيل النقل والمواصلات وفتح الطريق للمستثمرين وحماية الاستثمارات المشتركة, وهو ما اعتبره المراقبون شهر عسل جديداً بين البلدين أعقب طي ملف حزب العمال الكردستاني وتشكيل لجنة عمل مشتركة برئاسة وزير خارجية البلدين لوضع اعلان مبادئ ينظم العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والمائية والحدودية بين البلدين, ووضع حد نهائي للخلافات بينهما. وقد تأكد التحسن في العلاقات بمشاركة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار في تشييع جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد. أكذوبة الموساد وقد أزعج هذا التحول الإيجابي في العلاقات التركية السورية إسرائيل, لذلك سعت لافساد هذه العلاقات بدس معلومات بين البلدين تخدم أهدافها. فبينما كان نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام يستعد لزيارة أنقرة في نوفمبر عام 2000, أوعزت الموساد إلى رئيس وزراء إسرائيل (ايهود باراك) أن طائرة مدنية إيرانية قادمة من طهران في طريقها إلى دمشق تحمل أسلحة إلى حزب الله. فاتصل باراك بأجاويد رئيس وزراء تركيا وطلب منه اعتراض هذه الطائرة قبل هبوطها في دمشق.وبالفعل قامت طائرتان تركيتان من طراز (اف 16) باعتراض الطائرة الإيرانية المدنية في أول نوفمبر 2000, وأجبرتها على الهبوط في القاعدة الجوية التركية في (ديار بكر), وتم تفتيش الطائرة ولم يجدوا شيئا من الأسلحة المزعومة, وكانت فضيحة مدوية داخل تركيا. وقد تبين بعد ذلك أن مجلس الأمن القومي التركي كان قد عقد جلسة في 27/10/2000 لبحث استغلال زيارة خدام لحسم مستقبل العلاقات السورية التركية إزاء القضايا المعلقة بين البلدين, ففاجأت تركيا سوريا بتصعيد شروطها لتطبيع العلاقات, وذلك بوضع كافة القضايا الحساسة على رأس قائمة جدول أعمال زيارة خدام لأنقرة, مثل قضية لواء الاسكندرونة وضرورة اعتراف سوريا بأنه جزء من تركيا, وليس له حق المطالبة به مستقبلا, كما طالب مجلس الأمن القومي التركي الذي يسيطر عليه الجنرالات بإتفاق أمني جديد بديل عن اتفاق أضنة. ولأن تركيا وجدت صعوبة في وقف عمليات حزب العمال الكردستاني, عادت مرة أخرى لإتهام دمشق وطهران بإيواء عناصر هذا الحزب وعرضت معلومات مدسوسة حصلت عليها من الموساد عن إعادة فتح معسكرات للحزب في لبنان, مع الإصرار على تبرير استخدام تركيا للسدود المقامة على نهري دجلة والفرات. وفي ذلك يقول أحد خبراء حلف الناتو: لقد أعاد الجنرالات الأتراك في اجتماعهم رسم استراتيجيتهم الإقليمية على أساس قرار اتخذوه بأن يكون لتركيا دور ومشاركة في سيناريوهات الحرب المتوقعة بالتعاون الوثيق مع إسرائيل. وتزداد التهديدات التركية لسوريا مع تزايد التعاون بين دمشق وبغداد, خاصة وأن العراق أصبح محط تنافس بين دول المنطقة للحصول على عائدات النفط العراقي, إضافة إلى مؤشرات الإنفتاح الإيراني على العراق. دمشق بغداد طهران وتنظر الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل إلى محور (دمشق بغداد طهران) باعتباره خطاً أحمر وكأنه اعلان حرب.. خاصة في ضوء اتفاق إسرائيل وتركيا على ضرورة المواجهة المشتركة لمشكلة الصواريخ الإيرانية (شهاب 4,3), والصواريخ السورية (سكود سي) التي طورت سوريا مداها إلى 500 كلم, وذلك بتدمير جميع المنشآت المتعلقة بهذه المشروعات, ومشروعات أخرى تزعم تركيا وإسرائيل أنها تتعلق بإنتاج أسلحة كيميائية وأخرى ذات دمار شامل, ثم يضيف خبير الناتو قائلا: ان تصعيد الجنرالات الأتراك لمطالبتهم من سوريا في رفع سقفها إلى هذا المستوى, هو أمر غير معقول ويعكس حجم المؤامرة والمخاطر التي تحيق بسوريا, ووضع الرئيس السوري بشار الأسد موضع الاختبار. وحقيقة الأمر أن هناك فئة ذات نفوذ قوي في تركيا تسعى لافساد علاقة تركيا بالدول العربية والإسلامية, وفي المقابل تحسين العلاقات التركية الإسرائيلية وهذه الفئة تعرف باسم (يهود الدونمة) الذين يتظاهرون بالإسلام في حين أنهم في حقيقتهم يدينون باليهودية, ولكل واحد منهم اسمان أحدهما مسلم والآخر يهودي. ويرجع أصول هذه الفئة إلى القرن الثامن عشر وما بعده عندما كان اليهود الأتراك يخشون بطش الدولة العثمانية بهم فأخفوا حقيقة يهوديتهم بإظهار إسلامهم, وقد تمكنت هذه الفئة شأنها في ذلك شأن باقي تجمعات اليهود في مختلف بلدان العالم من احكام سيطرتها على قطاعات عريضة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية في تركيا. وهي وراء حملات الكراهية التي تشنها تركيا ضد العالمين العربي والإسلامي, وهي المسئولة أيضا عن التناقض الظاهر في السياسة التركية بين الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية مع الناتو وإسرائيل والولايات المتحدة, وبين رغبتها في الانفتاح على العالم العربي والإسلامي. * خبير استراتيجي مصري