(دولة واحدة ونظامان): هذه هي الكلمة المفتاحية في مشروع الحل السياسي لمشكلة جنوب السودان الذي تتضمنه ورقة من اعداد (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) الأمريكي في واشنطن ونشرت في الصحافة الامريكية. وأول سؤال يخطر على البال ليس بشأن محتوى المشروع نفسه وانما بشأن توقيته: لماذا يتزامن عرضه مع صعود ادارة امريكية جديدة الى السلطة؟ ما الذي جد؟ وما ان نطرح على انفسنا هذا السؤال حتى ينبثق شلال من الاسئلة الفرعية: ــ لماذا نسمع للمرة الاولى صوتاً أمريكياً ينادي بوقف الحرب الدائرة في جنوب السودان بعد 18 عاماً من اندلاعها؟ ــ ما هو مصير حركة قرنق وجيشها من منظور امريكي؟ ــ هل تتبنى ادارة بوش المشروع المطروح؟ وهل أوعزت الى مركز الدراسات المذكور بإعداده؟ ــ إذا افترضنا ان ادارة بوش تتبنى المشروع فهل يعني ذلك انه يقع ضمن اطار استراتيجية جديدة للولايات المتحدة تجاه افريقيا ــ وبالتالي تجاه السودان ــ على نقيض الاستراتيجية التي كانت تتبعها ادارة كلينتون؟ قبل ان نتوجه الى فحص محتويات المشروع نفسه علينا ان نستذكر ان الكونجرس الامريكي في عهد الرئيس السابق وفي عهد الرئيس الحالي ايضا ظل مسرحا للتصارع بين فريقين تجاه قضية جنوب السودان: فريق ينطلق من أجندة مسيحية ويهودية يتعصب لحركة قرنق بصورة كاملة ناظراً الى القضية كصراع مصيري ضد العروبة والاسلام في افريقيا.. وفريق ليبرالي يرى ألا جدوى من الحرب الدائرة وأن الافضل التوصل مع النظام المركزي في الشمال (أيا تكون هويته السياسية) الى صيغة سياسية وسطية تضمن لشعب جنوب السودان قدراً من الخصوصية الثقافية والاستقلالية الدستورية. ويجب أن نستذكر أيضا ان الفريقين ينطلقان أصلا من تأييد للجنوب السوداني وتعاطف مع قضيته لكنهما يختلفان في أسلوب المعالجة, ما بين وسيلة الحرب لتأديب الشمال العربي المسلم وفرض حل عليه قسراً.. ووسيلة التفاوض السلمي المدعومة بضغط دبلوماسي واقتصادي. الفريق الأول يتزعمه عضو الكونجرس فرانكلين جراهام ومعه زميله اليهودي جيمس جاكوبسون. والأول يدير منظمة مسيحية (انسانية) تحتفظ بمكتب في جنوب السودان داخل الاراضي التي تسيطر عليها قوات قرنق. وإذ يتكون الفريق المناوىء ايضا من اعضاء في الكونجرس فإنه يستقطب هيئات خارجه. في مقدمة هذه الهيئات (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) ــ صاحب المشروع المطروح الآن. لقد عيّن المركز فريقا خاصا من خبراء مرموقين برئاسة ستيفين موريسون تفرغ تماماً لاعداد ورقة المشروع. ويضم الفريق مايكل ميلر المدير السياسي للشئون الافريقية في (مجلس الأمن القومي) الأمريكي إضافة إلى وولتر كانتينر المسئول السابق عن السياسة تجاه افريقيا في عهد ادارة بوش الأب والعديد من السفراء الامريكيين الذين خدموا في افريقيا. لقد كان الفريق الأول الذي يتبنى الخط المتشدد الذي يتبنى استمرار أجندة الحرب من موقف عدواني صليبي وصهيوني ضد انتشار الثقافة العربية والمد الاسلامي في القارة السوداء هو الذي يحظى بدعم ورعاية ادارة كلينتون على طول الخط مما اضعف موقف الفريق الليبرالي.. فلم يكن احد في الادارة السابقة يعنى بالاستماع اليه. ويبدو الآن, من مؤشرات أولية, ان هذا الوضع ربما يكون قد تغير أو على طريق التغيير. هنا يقفز سؤال: اذا كان الفريق الأول يعرض نفسه كمدافع عن حركة قرنق باعتبارها الممثل الأوحد لشعب جنوب السودان.. فهل يعني ذلك ان الفريق الثاني يتبنى جماعة جنوبية معارضة لتنظيم قرنق؟ وما هي هذه الجماعة؟