منذ أن تفتحت أيامي على زرقة البحر الصافية في الاسكندرية وأنا أشعر أن حب الله يقيم اقامة دائمة في صدري.. ويسافر ليلا ونهارا في شراييني. ويمسك بيدي وأنا أعبر الطريق الى المدرسة الابتدائية بحثا عن كراسة الرسم تحت غارات حرب السويس النهارية. كنت أشعر دائما أن الله يحرسني ويحفظني ويحميني دون أن أعرف السبب.. فلعبت ألعاب الخطر.. ووضعت أصابعي في الكهرباء.. وجربت السقوط من مكان مرتفع.. واحترفت مهنة التوتر والتهور.. وما زلت على قيد الوجود. لكن.. في المدرسة وجدت مدرس (الألعاب) الذي داسته عربة (كارو) يقرر أن يقوم بتدريس (الدين).. ولم يتردد وهو يحمل في يده سلكا رفيعا مبروما مثل (الكرباج) يهددنا به في تحويل كلمات الله الجميلة الطيبة الى صور مرعبة لا تجدها في متحف الشمع.. أو في بيت الأشباح.. فرأينا جهنم لا الجنة.. ورأينا الشيطان لا الحنان.. وشممنا رائحة الشياط والشواء التي تنبعث من أجسادنا المحترقة في الجحيم قبل أن نشم رائحة الفل والندى ونقطف عناقيد الخير والعنب في النعيم. لقد أفزعونا بعذاب القبر وأهوال يوم القيامة ونحن لا نزال على عتبة البداية لا نعرف من الدنيا سوى بائع (البطاطا) و(العسلية).. أرادوا أن يهاجر حب الله من قلوبنا الخضراء البريئة.. وحاولوا تشويه نفوسنا البيضاء الصافية.. وعلمونا أن العقل ينقض الوضوء.. والتفكير هو أقصر الطرق للتكفير.. مع أننا بالفطرة التي ولدنا بها نعرف أن لا فرق بين الدين والديون فهما كمبيالات مستحقة الدفع وواجبة السداد. إن الدين الذي يمنحنا السلام الداخلي ويجعلنا نحتمل عجز الحياة تحول على يد هذا الطراز من البشر الى اعدام وخصام.. فكان التشدد والتعصب والتطرف والاهتمام بالمظهر لا الجوهر.. وكان العنف والقتل والفتوى التي تنفجر كالقنبلة.. وكان الجمود والجحود والفهم الضيق للحدود.. وكان الفقر والقهر والتراث الذي انقلب إلى ثبات. لقد كنت أتصور أن مدرس (الألعاب) الذي يعلمنا آيات الله بالكرباج هو حالة مرضية شاذة ضلت طريقها من مستشفى الأمراض العقلية الى وزارة المعارف العمومية.. لكن.. الأيام أثبتت انه (كائن حي) من فصيلة سريعة التكاثر والانتشار.. يزداد تشددا وتطرفا جيلاً بعد جيل.. وليس له وطن بعينه.. ولا ملامح ثابتة.. ولا جنسية نستطيع أن نعرفه بها.. فهو مرة يذبح قرية بأكملها في الجزائر.. ومرة يفجر مقهى في مصر.. ومرة يخطف فوجاً سياحياً في اليمن.. ومرة يضرب بالمدفعية الثقيلة تماثيل منحوتة لبوذا في جبال افغانستان. إن ثمن طلقات المدفعية التي حطمت تماثيل بوذا في جبال (باميان) في وسط افغانستان كانت تكفي لسد وجبة العشاء لنصف سكان الخيام في قلب العاصمة (كابول) وثمن الحرب التي لم تتوقف على مدى أكثر من ربع قرن في هذه الدولة المخنوقة بالجبال كان يكفي لأن يحولها من دولة تعيش في عصر ماقبل الجاهلية الى دولة تلهو بالسفن الفضائية.. وهو ماجعل معظم صحف العالم تنشر صور التماثيل المحطمة الى جانب صور الفقراء والبؤساء وساكني الخيام في تلك البلاد البعيدة التي يغطيها الغبار والدمار. لقد بدأت دولة (طالبان) في أفغانستان عصرها (الذهبي) بقتل واعدام خصومها السياسيين علنا في الشوارع وتركت جثثهم معلقة في حبال المشانق لتمرح فيها الجوارح.. ثم حطمت أجهزة التلفزيون.. ثم حرمت النساء من العمل حتى لو كانت ربة البيت هي العائل الوحيد لأسرتها بعد أن التهمت الحروب الأهلية اعدادا هائلة من الرجال.. ثم حرمت النساء من العلاج في المستشفيات العامة خوفا من الفتنة والاختلاط بين الجنسين دون أن تبني لهن مستشفيات بديلة.. ثم أصدرت فرمانات رسمية بإطلاق اللحية.. ثم قررت انشاء وزارة الثقافة.. وكانت أولى مهامها (المقدسة) تحطيم التماثيل العملاقة المنحوتة في الجبال.. لتقدم للدنيا كلها أقوى دعاية مجانية ضد الإسلام والمسلمين.. دعاية مكثفة.. ثاقبة.. كان يمكن أن يدفع فيها مليارات الدولارات.. فنحن الذين نشتري الحبل على حسابنا.. ونحن الذين نلفه على رقبتنا بكامل وعينا.. ونحن الذين نشده بكل الثقة.. لكن لا أحد يقرأ على أرواحنا الفاتحة. وقد تمنيت أن تنقذ رحلة مفتي الديار المصرية الدكتور نصر فريد واصل مع وفد منظمة المؤتمر الاسلامي إلى افغانستان ما تبقى من سمعتنا الاسلامية في الحفاظ على تراث الحضارة البشرية.. تمنيت أن تقنع طالبان أن التماثيل ليست أصناما تغري من يراها بالشرك بالله.. فالإنسان المسلم لا يمكن أن يكون ساذجا الى هذا الحد.. ثم أن هذه التماثيل عمرها سحيق ورغم ذلك لم تجد من يعبدها بعيدا عن أصحابها البوذيين الذين يتباركون بها.. تمنيت أن يقنع المفتي حركة طالبان هناك بالقاعدة الاسلامية التي نشرت دين الله الحنيف وجعلته امبراطورية شاسعة عريضة.. قاعدة قبول الآخر.. لا اكراه في الدين.. لكم دينكم ولي دين.. لكن.. المفتي لم يتمكن من لقاء زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر.. وكان مصير مهمته مثل مصير مهمة كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة.. الاخفاق.. فهو لا يتعامل مع حكماء وانما مع طلبة أو (طلبان) في مدرسة المشاغبين. على أن الرحلة في حد ذاتها تكفي.. فهي رسالة الى العالم بأن المفتي في مصر.. دولة الازهر الجامعة الاسلامية العريقة لا يوافق على تحطيم التماثيل.. لا يرى التماثيل اصناما.. لا يراها شركا بالله.. وهي رسالة ضرورية ومهمة.. خاصة وأن بعض الأصوات وبعض الاقلام في مصر ترى ذلك.. وبعض معلمي مدارس الأطفال يصفون تماثيل الفراعنة في رحلات المعابد بالأقصر بالمساخيط والأوثان.. وهو درس مبكر يدخل عقولهم من ناحية ويخرج تطرفا ورغبة حادة في القتل والتخريب من ناحية أخرى. ولا يتوقف الجهل عند هذا الحد.. وانما يمتد الى كل ما نسمع عنه ولا نهتم بمعرفته مثل البوذية.. فالبوذية وإن كانت ليست رسالة سماوية فانها ثقافة أخلاقية سامية انتشرت بين ملايين من البشر يعيشون في آسيا مثلها مثل الكونفوشية والشونتية والطاوية ووضعتهم في مكان لائق تحت الشمس بعيدا عن تبعية الهيمنة الأمريكية أو التبعية الغربية التي نرتدي جلبابها ونتصرف على طريقتها ولا نقدر على الابتعاد عنها. ان هؤلاء المليارات من البشر في تلك البلاد البعيدة يعرفون الله على طريقتهم.. والتعاليم التي يحفظونها ويهتدون بها لا يجوز الاستهانة بها.. أو السخرية منها.. انها في كثير من الاحيان تشبه الصوفية.. ان جزءاً كبيراً من هذه التعاليم يمكن أن نجده في كتاب (الطاو).. وهو كتاب عمره يزيد على 2500 سنة قبل الميلاد وضع فيه رفيق لكونفيشوس اسمه لوتس وخلاصة الحكمة في 81 قطعة أدبية أشبه بالقصائد.. وهو من أكثر الكتب في العالم طبعا ومبيعا. وقد ترجمه الى العربية عن الانجليزية واحد من أكثر أدبائنا تواضعا وبراعة وهو علاء الديب. وطبقا للأسطورة فإن لوتسو هجر الحياة كلها ورفض أن يسجل الحكمة يأسا من أحوال الناس وشرورهم وانطلق وحيدا مع حماره لكن حراس الحدود أجبروه على تسجيل كلماته قبل أن يمضي.. ثم جمعوا هذه الكلمات.. فكانت الحكمة الآسيوية التي يطلقون في أفغانستان المدافع على تراثها المنحوت في الجبال. وحسب تفسير علاء الديب فإن هذه الفلسفة التي لا نعرفها هي فلسفة انسانية بسيطة تدعو كل مؤمن بها (أن يقبل ماهو أمامه).. وتطالبه بأن (يقابل الجميع بوجه واحد دون تفرقة أو تمييز.. وأن يعامل كل الناس بالمساواة).. وتقول له: (إن في العقل المستقر المفتوح هو وحده الذي يعكس الحقيقة).. هذه هي الخلاصة.. لكن.. التفاصيل تجعلنا نفهم أكثر.. ونستوعب أكثر. تجرد من الرغبة حتى لا تعاني من المجهول.. الفقر والغنى ينبعان من نفس المصدر والصعوبة والسهولة يكمل كل منهما الآخر والأمام والخلف يتبع كل منهما الآخر.. عدم استعراض المواهب يمنع المشاحنة.. عدم جمع الكنوز يمنع السرقة.. الامتناع عن رؤية الاشياء المشتهاة يمنع ارتباك القلب.. في السكن كن قريبا من الأرض.. في التأمل كن عميقا في القلب.. في التعامل مع الناس كن رقيقا.. في الحديث كن صادقا.. في الحكم كن عادلا.. في العمل كن دقيقا.. الألوان الخمسة تعمي العين.. الأصوات الخمسة تصم الأذن.. الأحاسيس الخمسة تفسد الذوق.. التسابق والقنص يذهبان العقل.. الأشياء الثمينة تقود المرء الى الضلال.. أحب العالم كأنه نفسك.. من لا يثق لا يوثق فيه.. انبذوا الشطارة واحتقروا المكسب يختفي اللصوص والنصابون.. تخلي تتفوق.. أفرغ نفسك تمتلئ.. أرض بالقليل تصبح غنيا.. أعرف الأبيض لكن احتفظ بالأسود.. أعرف الكبرياء لكن اعتصم بالتواضع.. حقق النتائج لكن لا تتشدق ولا تتفاخر.. حقق النتائج لأن هذه هي طبيعة الحياة.. معرفة الآخرين حكمة.. معرفة النفس اكتشاف.. قيادة الآخرين تتطلب قوة.. قيادة النفس تتطلب قدرة. الذي ينكمش لابد أولا أن يتمدد.. هذا الذي ينهار لابد أنه كان ميتا من قبل.. مايطرح أرضا لابد أنه مرفوعا من قبل.. قبل الآخذ لابد أن يكون العطاء.. الرجل الطيب حقا لا يلتفت الى طيبته.. صفاء السماء يمنع سقوطها.. صلابة الأرض تمنع تشققها.. قوة الروح تمنع استهلاكها.. الخطيئة الكبرى هي الرغبة.. اللعنة الكبرى هي عدم القناعة.. سوء الحظ الأكبر هو الرغبة في الحصول على الاشياء.. من يعرف أن الكفاية كفاية يحصل دائما على ما يكفيه.. انني طيب مع الطيبين.. وأنا طيب مع غير الطيبين لأن الفضيلة هي الطيبة.. أثق في الرجال المخلصين.. واثق أكثر في الرجال غير المخلصين لأن الفضيلة في الاخلاص.. احتفظ بفمك مغلقا وراقب حواسك تجد الحياة مليئة.. افتح فمك وكن دائما مشغولا لا تجد في الحياة أملا.. عندما يكون بلاط الحاكم غارقا في الفخامة فإن الحقول تغطيها الحشائش والأعشاب ونفرغ المخازن من الحبوب ويرتدي بعض الناس ملابس مزركشة ويحملون أسلحة حادة ويملأون بطونهم بالطعام والشراب وتصبح ممتلكاتهم أكثر مما يستعملون.. هؤلاء هم السادة اللصوص.. عندما يزيد التعصب لا يمكن أن ترى الله.. ستسود الدنيا في عينيك رغم انك تتصور أن الشمس مشرقة.. ساعتها ستحطم ماحولك دون أن تدري انك في الحقيقة تحطم نفسك.. والحكمة الأخيرة هي بالقطع موجهة الى السلطة الحاكمة في أفغانستان تعليقا على ما فعلته هناك. لقد قصدت من تلخيص بعض النصوص الآسيوية المقدسة لديهم أن أغير ولو بعض الملامح البسيطة في الصورة الخاطئة التي نرثها عن أولئك البشر الذين لا يعبدون ما نعبد.. ولا يؤمنون بما نؤمن به.. إن لهم دينهم ومعتقداتهم واخلاقياتهم وتصوراتهم للدنيا والدين.. انهم ليسوا كما نعتقد.. وقد شيدوا حضارة عريقة.. ويساهمون في الحضارة الحديثة.. ربما أكثر مما نساهم نحن.. فلا مبرر للتعالي عليهم.. أما الثواب والعقاب فهي مسألة في يد الله. ولا أنسى يوم أن دخلت معبدا بوذيا في اليابان وكان مخصصا لجرحى الحب..كان هناك تمثال من الذهب الخالص محلى بالياقوت الأحمر.. يتوقف عنده الزوار من كافة انحاء العالم وهم يبتسمون.. فجراح الحب لا يقدر عليها كل تماثيل الأرض.. وعندما سألت راهب المعبد عن حكاية هذا التمثال قال: انهم أرادوا من ورائه أن يبتسم الناس هذه الابتسامة التي تشفي القلب.. وابتسمت مرتين.. وجاءت طفلة صغيرة تضع يدها على التمثال.. لعلها تحصل على جرعة الدواء قبل أن تصاب بمرض الحب.. ووجدتني ابتسم للمرة الثالثة.. فلا أنا كفرت بهذه الابتسامة.. ولا أنا أشركت بالله.. ولو كان هذا التمثال في افغانستان وحطمته حركة طالبان فكم ابتسامة للقلب خسرتها البشرية في كل لحظة؟ إن أصحاب العقول في راحة.. والعاجزون عن الإضافة الى الدنيا لا يجدون أمامهم سوى الخصم منها.. والذين لا يقدرون على اقتحام المستقبل لا يتشطرون الا على التاريخ.. والذين يصرون على الغياب لن يجدوا فرصة واحدة للحضور.. ولو سمعنا كل الفتاوى واستجبنا لها جميعاً لحطمنا كل الحضارات وكسرنا كل الجسور الممتدة بيننا وبين الماضي.. ثم أطلقنا النار على أنفسنا في النهاية.. استغفر الله العظيم. * كاتب وصحفي مصري