كتب له القائد البرتغالي, مهددا ومتوعدا ومحذرا. وكانت البرتغال آنذاك دولة عظمى لها شأن وريادة في منظومة دول السيادة ونهب واقتسام ثروات الشعوب واستعمار العالم, جاءت بثقلها واحلامها إلى منطقة الخليج تبحث عن المجد والخيرات وعن المفتاح السحري للوصول إلى العالم الجديد. تقول الرسالة: (اعلم بأننا جنود الله مخلوقون من سخطه, مسلطون على من يحل عليه غضبه, لا نرق لشاك ولا نرحم عبرة باك, قد نزع الله الرحمة من قلوبنا, فالويل كل الويل لمن لا يمتثل لأمرنا, قد خربنا البلاد, واهلكنا العباد, واظهرنا في الارض الفساد, فان اعجبكم شرطنا كان لكم مالنا وعليكم ما علينا, وان انتم ابيتم وعلى بغيكم تماديتم, فالحصون منا لا تمنع والعساكر لدينا لا ترد ولا تدفع, لانكم اكلتم الحرام وضيعتم الجمع, فأبشروا بالذل والجزع. اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تعملون, فإن اعجبكم كلامنا اننا كفرة وقد صار عندنا انكم فجرة, قلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال, كثيركم عندنا قليل, وعزيزكم عندنا ذليل, قد ملكنا الارض شرقا وغربا واخذنا منها كل سفينة غصبا, قد ارسلنا اليكم هذا الكتاب, فأسرعوا برد الجواب قبل ان ينكشف الغطاء ولم تبق لكم باقية وينادى عليكم بالفناء, هل تحس منهم من احد أو تسمع لهم ركزا, وقد انصفناكم وارسلنا عليكم جواهر الكلام, والسلام). وصلت الرسالة إلى الامام القائد سيف بن سلطان اليعربي (قيد الأرض), وقرر ان يجيب على الرسالة, وان يأخذ حذره واستعداده لما بعد الرسالة والكلام الذي تحمله, فماذا قال للعدو: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتذل من تشاء, بيدك الخير انك على كل شيء قدير, قد حصل الوقوف على هذه الكتبة الشاهرة لقولكم قد نزع الله الرحمة من قلوبكم فهذا من اقبح عيوبكم واشد واشنع, وبغيتم وذكرتم انكم كافرون, ألا لعنة الله على الكافرين, من تعلق بالأصول فلا يبالي بالفروع, ونحن المؤمنون حقا لا يصدنا عنكم عيب ولا يدخلنا شك ولا ريب والقرآن علينا قد نزل فهو رحيم بنا لا يزل, وخيولنا برية وبحرية, وهممنا سامية عليّة, ان قتلناكم فنعم البضاعة, وان قتلتمونا فبيننا وبين الجنة ساعة. وقولكم قلوبكم كالجبال وعددكم كالرمال, الجزار لا يبالي بكثرة الغنم الكثيرة وإن الله مع الصابرين, أمنية ان عشنا عشنا سعداء وان متنا متنا شهداء. فقل لصاحبك اذا رصّع وشّيد مقالته, حصل الوقوف على هذا الكتاب كصرير باب وطنين ذباب, وماعندنا بعد ذلك إلا الخيل تمطر بالويل والنار مظهرة العار, والسيوف مسقية بالحتوف, والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى واطاع الملك الاعلى واختار الاخرة على الاولى, والسلام على خير الانام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام). كانوا اكثر منه قوة وعتادا, يملكون اسطولاً بحريا لم ير الخليج مثله, وذخيرة منوعة ومتطورة من أسلحة ومدافع بحرية. لكنه لم يرضخ ويهادن, بل قرر ان يقاوم ويهاجم, فحاربهم في محيط البحر الواسع المكشوف وحاصرهم في قلاعهم الضخمة المنيعة حتى اصابهم المرض والخوف والتعب. ولم تكن حربه معهم في اقليم محدود جغرافياً, انما اشتبك معهم في فضاء واسع, من عمان إلى الهند وفارس وهناك في (ممباسة) بافريقيا. أوجد الفتح العربي ورفع راية هذه الامة, وسمع بانتصاراتها القاصي والداني, وسعى إلى تخليص هذه المنطقة من ابشع وأسوأ استعمار عرفته. والقائد الامام الذي اهتم بمحاربة وطرد المستعمر, وتوسعة اسطوله الحربي الذي وصل إلى 28 مركبا, وقوة من الخيل والفرسان وصلت إلى 96 ألف مقاتل دخل بهم إلى الهند, سعى أيضا إلى ازدهار وتعمير عمان, واهتم بأمر الرعيّة, ونشر العدل فيها, يقول عنه العلامة عبدالله السالمي في (تحفة الاعيان بسيرة اهل عمان): (عاشت الرعية في ظل عدله في أرغد عيش وأنعم بال وعمّر عمان كثيرا, وأجرى فيها الانهار وغرس فيها النخيل والاشجار وجمع مالاً جما, وملك اماء وعبيدا, وقويت عمان به وصارت خير دار). وجاء لقبه (قيد الأرض) لضبطه الممالك ووضعه لنظام تسجيل الأراضي, وتقييده البلاد بعدله. هذا واحد من عظماء هذه الأمة, جدير ان يتعرف عليه ابناء هذا الجيل, الذين ولدوا في زمن الذل والخوف والخنوع والضياع. تربت فيهم من حال حاضر اوطانهم صورة الانكسار والتخلف وبشاعة واقع الدونيّة. في الماضي ــ لو علم هذا الجيل ــ بعض العزاء, لقد كانت أمة رائدة لها امجاد وحضارة, كانت في يوم ما قويّة وعظيمة, سادت وقادت, وقدمت لشعوب الأرض العلم والدين والحضارة. وليت مستقبلها يكون مثل ماضيها الجميل.