هناك اليوم اعتقاد سائد يذهب الى ان الصحافة العربية لم تفلح في احداث تغييرات ايجابية كافية في حياتنا العربية المعاصرة. فماذا فعلت, حسب رأي بعض الناس, مئات الدوريات التي يغذيها آلاف الكتّاب وتدعمها أحدث المطابع, ويقبل على قراءتها ملايين القراء؟ ماذا كانت نتيجة الكتابة ثم الطباعة ثم النشر ثم القراءة؟! هل أصبحنا نرفع على رؤوسنا أكاليل النصر والغار؟ أم أننا ما زلنا نراوح أمكنتنا مسمرين ومجمدين؟ أم هل ترانا نتمرغ في أوحال الفشل, ونجر أذيال الخيبة؟ مهما كانت الإجابة عن هذه التساؤلات, فإن من المؤكد أن أوضاعنا العربية الحالية تبتعد مسافات شاسعة عما يفترض ان نكون عليه بفضل الأدبيات العديدة التي تملأ صفحات صحافتنا العربية. وإذا كان من الصحيح, ان المواد الصحفية المنشورة أخفقت في تطوير حياتنا وترقية أحوالنا بدرجة مناسبة ومعقولة, فإني أقول ان هذا ليس حكماً قاطعاً, لأن هناك حالات أخرى تحقق فيها تقدم لا يمكن تجاهله. فهناك فشل في الميادين السياسية والقومية والأخلاقية, ولكن يوجد نجاح في المجالات العلمية والطبية والأدبية والتربوية, وما شابهها من حقول لا تتدخل فيها الرقابات الإعلامية, إلا بدرجة محدودة. فالكتابات التي تنشر في المجالات التي لا تتسرب إليها عين الرقيب السياسي ولا تطالها يد الحذف والتغييب, تُسهم الآن اسهاماً جيدا في تكوين ثقافة عربية حديثة تواكب المستجدات وتساير أهم تطورات العصر, الى حد معقول. ومن جهة ثانية, هناك مجال آخر نجحت فيه الصحافة العربية بدرجة ما, ويتعلق بفتح الباب أمام كشف بعض مشكلات الجماهير اليومية, والمساعدة على إيجاد حلول لها. فعندما تكتب دورية ما, حول ما يواجه الناس من مصاعب ومظالم اجرائية في هذه المؤسسة, أو تلك, وفي دائرة حكومية أو أخرى, فإنها تضع المسئولين عن مثل هذه المؤسسات والدوائر في مواقف حرجة, وتدفعهم الى السعي للاسراع بحل المشكلات اليومية الحياتية للمواطنين. وبتعبير آخر, فإن صحافتنا العربية, يمكن أن تقوم بدور السلطة الرابعة بالفعل, في مجالات محددة تتعلق بسير الأمور في دوائر الدولة ومؤسساتها, فتسهم في كشف شكاوى المواطنين والمطالبة بإيجاد الحلول لها, وتصحيح الخلل. وهذه مهمة لا يمكن نكران فائدتها, وإن كانت محصورة في القضايا الصغيرة اليومية. ولا ننسى, أيضاً, دور الصحافة العربية في نقل الأخبار الطازجة, وإبقاء القارىء على صلة بما يجري في العالم. نخلص مما سبق الى أن صحافتنا تقدم للقراء وللوطن الكثير من الاسهامات المفيدة التي لا يمكن الاستغناء عنها. ولكن المشكلة تنشأ عندما يتعلق الأمر بالمجالات السياسية والقومية والقيمية. فالمطبوعات العربية التي تغزو كل بيت ومكتب وشارع, تفيض بالأدبيات التي تدعو الى مكافحة الفساد وتغليب المصلحة العامة على الأهواء الشخصية, وإلى ممارسة شتى أنواع الانحرافات السياسية, والوقوف في وجه النزعات القُطرية وغير ذلك. ولكن هذا كله لم يسفر إلا عن مزيد من التردي القومي. وبتعبير آخر, فإن حجم التقدم الذي أحرزناه, والتطور الذي وصلنا إليه على الصعيد السياسي, لا يتناسبان بحال من الأحوال, إن لم يكن يتعارضان مع ما يفترض تحقيقه بفضل التوعية الكتابية. فهل تكمن علة ذلك في الأدبيات السياسية التي تنشرها صحافتنا, مما يستدعي تحسينها لتغدو قادرة على تحقيق التغيير المنشود, أم أن المسئولية تقع على عاتق القراء الذين لا يتجاوبون معها, ولا يعملون بهديها؟ الأمران صحيحان. فالكتابات السياسية محكومة بتدخل مقص الرقيب الاعلامي, وبهيمنة النخب الحاكمة على معظم الدوريات العربية, بدرجات متفاوتة. أضف الى ذلك, أن عددا من الكتّاب الصحفيين, لا ينطلقون في أعمالهم من حسن النية والشعور بالمسئولية, بل يهرولون دائماً وراء مصالحهم الخاصة, مما يجعل انتاجهم يتلون بلون هذه المصالح, ويتسربل بجلابيبها. وإذا أتينا الى الجانب الثاني المتعلق بالقراء, نجد أن غالبيتهم العظمى مثقفون أو أناس عاديون لا يملكون من أمرهم شيئاً, ولا علاقة لهم برسم السياسات أو بلعبة الحل والربط واتخاذ القرار. لذلك, فإن تأثرهم بالكتابات لا يؤدي الى التأثير في الأوضاع العربية, على المدى القريب. أما السلطويون الذين يحملون بأياديهم مفاتيح التغيير, وشفرات التطوير, حتى لو تأثروا في أعماقهم بما يقرأون, فإنهم قد لا يكونون قادرين على تجاوز خطوط مرسومة وبرامج موضوعة سلفاً أمامهم. وبتعبير آخر, فإن اقتناع هؤلاء بما تبشر به الكتابات وتدعو إليه, لا يعني تجاوبهم العملي معها. وهكذا نجد أن صحافتنا السياسية, لأسباب متعددة, لم تستطع أن تحقق أهدافاً كاملة. وهي ليست مسئولة عن هذا العجز إلا بدرجة محدودة. وعلى كل, فإن هناك مجالين مهمين استطاعت من خلالها هذه الصحافة احراز نجاح قومي ملموس وملحوظ, وهما: 1ــ إن الحقائق والآراء والنظرات والمعلومات والتوعيات التي تزودنا بها الصحافة السياسية, وإن لم تؤد الى تغيير سريع ومباشر في أوضاعنا, فإن كثيراً منها يتم تخزينه في ذاكرة الأمة, وفي عقول الناس, ليصبح جزءاً من ثقافتهم. وهو بدون ريب, سوف يفعل مفعلوه البطيء على المدى البعيد, ومع مرور الزمن وتوالي الأيام. 2ــ لقد استطاعت المقالات السياسية التي تنشرها دورياتنا العربية أن تحدث تغييراً حقيقياً وملموساً في مواقف الناس تجاه الديمقراطية والمجتمع المدني, وأن تؤثر أيضاً بعض الشيء في عقول المسئولين والنخب الحاكمة. فهناك اليوم قناعات واسعة, لدى معظم الناس ولا سيما المثقفين, وعند الكثيرين من أصحاب القرار, بأن الأمة العربية لا يمكن أن تنهض من سباتها العميق, وتستفيق من خدرانها الطويل, إلا إذا ارتفعت على ربوعها أعلام الحرية والديمقراطية. وقد يتساءل بعض الناس عن سبب عدم تحقق الديمقراطية, طالماً أن هناك قناعة كاملة بضرورة تطبيقها. والجواب على ذلك واضح وصريح, وهو أن مصالح بعض السياسيين هي التي تمنع تحول القناعات النظرية الى حقائق عملية على أرض الواقع.