حققت الانتفاضة الفلسطينية الكثير من الانجازات, فقد ربطت القضية الفلسطينية بالقضايا العربية, وأعادت ربط القضية الفلسطينية يبحث العرب عن مستقبلهم, وأحيت ارتباط القدس بالعرب والمسلمين. ولكن في الوقت الذي حققت الانتفاضة الكثير, إلا ان الثمن الذي دفعه المجتمع الفلسطيني ابان الشهور الخمسة الماضية كان كبيراً وذلك من حيث شموله سقوط مئات الشهداء, وآلاف الجرحى, وتدمير جانب رئيسي من الاقتصاد الوطني الفلسطيني, ثم مجيء حكومة شارون على أنقاض حكومة العمل. لهذا يصبح السؤال في المرحلة الراهنة والمقبلة: هل من اعادة نظر في وسائل الانتفاضة بحيث يتم المحافظة على جوهرها الجريء والخلاّق مع تغير في وسائلها وتعبيراتها وذلك لضمان نجاحها في الصمود أمام أكثر الحكومات تطرفاً في إسرائيل؟ إن المسألة المركزية هي خروج الاحتلال ودحره, لكن السؤال هل تؤدي أعمال العنف واستخدام الأسلحة من قبل مجتمع يخوض صراع وجود منذ قرن من الزمان ولا يمتلك الا القليل منها الى خروج احتلال يتميز بالسعي نحو الاستيطان وسياسة الإحلال والتهجير ويعتبر تلك المناطق حقاً دينياً وجغرافياً وأمنياً وتاريخياً له؟ في هذا نجد الفارق الكبير بين تجربة العمل المسلح في جنوب لبنان وبين تجربة العمل المسلح في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن وسائل الانتفاضة الراهنة تجمع بين عدة مسائل فهي من جهة تعبر عن مدى عمق القهر الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني, وتعبر عن مقاومة الاحتلال المشروع, ولكن الجانب المسلح والأكثر عنفاً من الانتفاضة يُساهم بشكل غير مباشر, وذلك من خلال ردود الفعل الاسرائيلي, بتدمير الكثير من البنى التحتية والانجازات الفلسطينية التي تم انتزاعها وبناؤها على مدى العقود. بل إن التساؤل عن الجدوى من استخدام المناطق السكنية الفلسطينية كمنطلق لإطلاق النار على مواقع اسرائيلية مما يؤدي لردود فعل اسرائيلية تساهم في تهجير آلاف الفلسطينيين من تلك المناطق المهمة هو تساؤل في مكانه. بمعنى آخر إن كان هدف الصهيونية تهجير المجتمع الفلسطيني وإخراج السكان من مناطق التماس القريبة من المستعمرات وتفتيت الاقتصاد الفلسطيني فممارسة العنف المسلح من الجانب الفلسطيني في ظل موازين القوى الراهنة وفي ظل مشروع اليمين الاسرائيلي وقدرات اسرائيل على إلحاق الأذى بالمجتمع الفلسطيني تصب في هذا الهدف الاسرائيلي. لهذا فإن الأصوات الفلسطينية التي بدأت تبرز في الأيام القليلة الماضية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تتساءل بجرأة وبحس وطني ومسئول عن المخاطر الناتجة عن استخدام العنف المسلح بشكله الأعمى والموسع والذي يصيب المدنيين هي أصوات تفكر بالمستقبل وبنتائج ما هو حاصل اليوم على المستقبل. إن القول بأن وسائل المواجهة والثورة لا تخضع للنتائج هو قول آن الأوان لتجاوزه في مدارس النضال العربية. فهو ذات القول الذي ينتهي الى اجهاض التحرر والاستقلال والمستقبل من خلال الانطلاق من الكفاح من أجل الكفاح بلاحساب للنتائج, وهو ذات المنطق الذي قادنا في السابق كعرب لهزائم كبيرة. لهذا فالتفكير في الوسائل الكفاحية بما فيها التفاوضية التي تحقق انسحاباً اسرائيلياً يؤدي بعد اتمامه الى استكمال بناء كيان فلسطيني قادر على النهوض وقادر على المحافظة على مقدساته الدينية وحقوقه ويتميز بالعمل التطوعي والمبادرة والارتقاء في التعليم والحريات وبناء الاقتصاد الجديد ويستوعب طاقات الجيل الشاب هو تفكير في مكانه. إن التحول في الانتفاضة الفلسطينية نحو المسيرات واللقاءات الجماهيرية ووسائل كسر الحصار الاسرائيلي بوسائل لا عنفية هو الأهم. ولقد مارست شعوب عديدة وسائل سلمية في نضالها, وذلك لأن ظروفها حتمت هذه الوسائل ولأن هذا النمط من الوسائل كثيراً ما ينتج أفضل النتائج للمستقبل وذلك لأنه يحافظ على روح الإنسان ويفرض على العدو بالوقت نفسه أن ينهزم روحياً ونفسياً وأن ينشق على نفسه قبل أن ينهزم عسكرياً وتقنياً. بلا انتفاضة لا مستقبل لفلسطين, ولكن بلا ملائمة الوسائل مع الأهداف ولا ملائمة الواقع بالمستقبل قد تتحول الانتفاضة الى فرصة ضائعة وثمن أكبر من أن يتحمله المجتمع الفلسطيني! * أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت