مع اختلافهما تجاه البؤر الساخنة في العالم وجدت كل من الولايات المتحدة وروسيا ان هدفا مشتركا يجمع بينهما تجاه البؤرة الافغانية, فبقاء نظام طالبان يمثل خطراً استراتيجيا ينبغي من وجهة نظر كل منهما إزالته. واذا كان العداء الامريكي الروسي لنظام طالبان مفهوما فإن عداء الدول العربية ـ او بعضها ـ له يظل لغزا, فأفغانستان تحت سلطة طالبان تتبنى سياسة خارجية راديكالية ضد اسرائيل ولصالح قضية الحق الفلسطيني التي من المفترض ان تكون القضية المركزية للعرب. ان عداء الولايات المتحدة لنظام طالبان ينبع اساسا من اعتبارات أمن اسرائيل لان محاربة الدولة اليهودية تقع في مقدمة الاجندة الاسلامية العالمية التي اعتمدها نظام كابول لنفسه.. وبما ان الولايات المتحدة هي الشريك الاستراتيجي الاول للدولة اليهودية فإن هذه الاجندة تشملها بالعداء الافغاني ايضا. وروسيا ايضا لها شكايتها, فالكوادر الوطنية المسلحة التي تقاتل القوات الروسية في حرب الشيشان تخرجت من معسكرات تدريب في الاراضي الافغانية تحت اشراف سلطة طالبان. وتحرير الشيشان ليس الا حلقة واحدة في سلسلة حركات تحرير اسلامية تنتشر في اراضي الامبراطورية السوفييتية سابقا (خاصة في اسيا الوسطى) التي تعتبر روسيا المعاصرة نفسها وريثا لها. ان الولايات المتحدة وروسيا تتصارعان حول ما يجري في منطقة البلقان وحول مآل منطقة الشرق الاوسط وحول كيفية التعامل مع كل من العراق وايران وحول مستقبل الاتحاد الاوروبي ومستقبل بلدان شرق اوروبا, لكنهما مع ذلك تلتقي رؤيتاهما تجاه الوضع الحالي في افغانستان. فلكل منهما مصلحة في الاطاحة بنظام طالبان.. لا بسبب اجندته الداخلية في المغالاة والتطرف في تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية وانما بسبب اجندة سياسته الخارجية. وهذا يفسر لنا لماذا تبلور توافق نادر بين القوتين العظميين على صعيد مجلس الامن الدولي حيث تبنتا قرارا بفرض عقوبات دولية ضد نظام طالبان, والقرار يكشف نفسه بنفسه, فهو يستند الى رفض حكومة طالبان تسليم أسامة بن لادن الى الولايات المتحدة لمحاكمته, ذلك ان شخص بن لادن يرمز الى برنامج طالبان وخط سياستها الخارجية المبني على منازلة القوتين العظميين عالميا من منظور اسلامي راديكالي. وانكشف تحيز القوتين ضد نظام طالبان بصورة اوضح بابتدارهما قراراً بمنع امدادات الاسلحة عن نظام كابول بحجة وضع نهاية للحرب الاهلية الدائرة في افغانستان. فالقرار يستثني ضمنا قوات المعارضة الافغانية التي تقاتل جيش طالبان, فلو كانت نية القوتين حقا هي وقف الحرب لنص القرار على منع امدادات السلاح عن الطرفين المتقاتلين في آن معا. ورغم هذا التحيز الفاضح يظل العداء المشترك للولايات المتحدة وروسيا تجاه نظام طالبان منطقيا ومفهوما من منظور مصالح كل منهما على صعيد الاستراتيجية الدولية, لكن ما ليس مفهوما هو انضمام دول عربية الى هذا الركب الثنائي. ان الحجة المتداولة بأن نظام طالبان يطبق في الداخل الافغاني نظاما اسلاميا قائما على المغالاة والتشدد ذريعة واهية, فالوضع الداخلي يبقى شأنا خاصا بالشعب الافغاني, اما ما ينبغي ان يهم الدول العربية فهو التعامل مع النظام الافغاني في ساحة العلاقات الدولية. واذا كانت الدول العربية جادة حقا في الوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني وهو يواصل انتفاضته ضد الاحتلال الاسرائيلي وضد التواطؤ الامريكي مع اسرائيل فإن المفروض ان ما يجمع بينهما وبين نظام طالبان في هذا السياق هو التحالف الاستراتيجي المصيري.