وصل قائد الهنود الحمر وزعيم الثورة الثاباتية الملقب باسمه الحركي (نائب القائد ماركوس) الاثنين الماضي إلى العاصمة مكسيكو سيتي, بعد خمسة عشر يوما, قطع خلالها أكثر من ثلاثة آلاف كيلو متر, وعبر 15 مقاطعة من أفقر مقاطعات الدولة المكسيكية, بقافلته المكونة من أربعة وعشرين مقاتلا هنديا من المقاتلين الذين رافقوه خلال رحلة الثورة منذ إعلانها في الأول من يناير ,1994 لتكون هدية أعياد الميلاد في ذلك العام للرئيس ارنستو زيديو وحزبه, الذي بدأ منذ تلك اللحظة عده التنازلي ليخسر الحكم الذي تربع على كرسيه طوال سبعة عقود, لم يورث البلاد فيها سوى الفساد والفقر والأزمات. رافق دخول ماركوس إلى العاصمة عدد من مشاهير العالم, من أبرزهم (جوزيه ساراماجو) الكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للآداب, ودانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران, وغيرهما من الوجوه التي لا تزال تلتزم بالنضال من اجل حقوق المضطهدين, الذين لا يجدون لمطالبهم مكانا في عالم المصالح, الذي يرسم السياسات الدولية وفقا لمصالح الطبقات المسيطرة, والمصالح الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسية والعابرة للحدود والقارات. كان دخول قائد الثورة الثاباتية إلى العاصمة المكسيكية تتويجا لعمل ثوري استمر لأكثر من خمسة قرون, خاضت خلال الأقلية الهندية حربا للدفاع عن نفسها منذ أن جردها كولومبس من ابسط حقوقها عند وصوله إلى تلك الأرض (بطريق الخطأ) وبمحض الصدفة, ليتحولوا من شعوب متحضرة عرفت ارفع العلوم إلى عبيد لسادة من حثالة البيض الأوروبيين, الذين ضاقت بهم أوروبا الفقيرة وقتها وضاقوا بها, وركبوا بحر المغامرة للبحث عن لقمة خبز يطعمونها, وعندما دانت لهم جنان تلك الأرض ومنحتهم الخير أورثوها الدماء والسخرة والدمار. استمرت ثورة الهنود الحمر المكتومة طوال تلك القرون الخمسة, التي مضت منذ وصول كولومبس إلى ارضهم, وعندما غابت شمس الحرب الباردة واعتقد البيض في أمريكا اللاتينية إن الدنيا دانت لهم, بعد أن أصبحت الولايات المتحدة سيدة العالم بسقوط جدار برلين, وانتهاء قوة الاتحاد السوفييتي المنافسة, بزغت في الأفق حركة الجيش الثاباتي مع خيوط الفجر الأول لعام ,1994 لتعلن للعالم أن الحقوق لا تهدأ المطالبة بها حتى لو كانت كل الرياح معادية لها. في البداية, حاولت الحكومة المكسيكية بدعم من وسائل الإعلام الغربية, والأمريكية في مقدمتها, التقليل من شأن تلك الحركة الثورية الجديدة اعتقادا في قوة الجيش والبوليس المدربان على قمع أي صوت معاكس, وكانت لهما خبرة معروفة في هذا المجال, لم تكن آخرها مذبحة الطلاب بجامعة المكسيك خلال ربيع 1968. والغريب أن فشل الجيش والبوليس المكسيكي في القضاء على تلك الحركة لم يكن معلنا ولا معروفا, وعندما لجأت حكومة الرئيس أرنستو زيديو إلى مائدة المفاوضات, لم يكن هدفها تحقيق المطالب التي دفعت بماركوس إلى قيادة حركة ثورية للحصول على حقوق الهنود الحمر, الذين ينتمون إلى أكثر من سبعة وخمسين قبيلة عرقية, يصل تعدادهم إلى عشرة ملايين, ويشكلون عشرة بالمئة من مجموع سكان المكسيك, إنما كان الهدف القضاء على تلك الحركة من خلال رفع القناع عن وجه ماركوس, الذي تحول إلى ما يشبه الأسطورة, وأصبحت صورته مقنعا وغليونه بين أسنانه تنافس صورة الأسطوري الأمريكي اللاتيني الآخر (التشي جيفارا). استمرت معركة موائد المفاوضات, ومعها الحرب الإعلامية والمحاولات المستميتة لكشف القناع عن وجه (ماركوس) طوال عامين, لكن الوجه المقنع كان يعرف أن لقناعه فعلا أقوى من فعل السحر, فاختار واحدا من رجال الدين المسيحي ذوي السمعة الطيبة والمعروف بإيمانه بحقوق الفقراء في الحياة, وانتهت المباحثات بفشل مخطط الحكومة الإعلامي, وبوضع مسودة قانون يعترف بحقوق الهنود الحمر التاريخية, لكنه يتهرب من منحهم تلك الحقوق تحت شعارات واهية, فانصرف ممثل ماركوس عن مائدة المفاوضات. لكن وقف المفاوضات لم يكن انتصارا لأي من الطرفين, بل كان البداية لمعركتين جديدتين مختلفتين في التوجه, من ناحية كانت تحاول الحكومة أن تقدم انطباعا بأن ماركوس ليس سوى (أفّاق) يستغل الهنود الحمر وما يتعرضون له من اضطهاد ليكسب شهرة وجماهيرية, ومن ناحية أخرى كان ماركوس متمسكا بخطه الهجومي ضد حكومة حزب الرئيس ارنستو زيديو, وممعنا في التخفي ليحبط مخطط الحكومة في تشويه صورته, ويؤكد أن الثورات والحركات التمردية لم تعد سببا في شهرة أحد, لأن هذا ليس وقت الثورات. في النهاية انتصر ماركوس والهنود الحمر في ثورتهم, وتمكنوا من تحقيق أول انتصار لهم بهزيمة حزب الرئيس ارنستو زيديو في انتخابات يوليو ,2000 ولتنتهي هيمنة حزبه على الحياة السياسية في المكسيك بعد سبعة قرون مارس فيها أعضاء الحزب والحكام المنتمون إليه ابشع أنواع الفساد. لكن حرب الهنود الحمر لم تهدأ بهزيمة زيديو وحزبه, بل استمرت لأن حزب الرئيس الجديد (فيثنتي فوكس) ليس افضل حالا من حزب الرئيس السابق, وان كان هناك اختلاف في لهجة التعامل مع حقوق الهنود الحمر بين الرئيس وحزبه, ففيما يؤكد زعماء الحزب وبياناتهم الرسمية على التعامل مع (الثورة الثاباتية) بلغة العصا والجزرة, من ناحية تلبية بعض المطالب كحق أبناء الهنود الحمر في التعليم والصحة, ومن ناحية ثانية رفض مطالبهم في الحصول على الأرض التي يسكنها أجدادهم وتحولت إلى إقطاعيات للبيض, يحاول الرئيس فيثنتي فوكس تجنب الوقوع في خطأ الرئيس السابق, ويدعو إلى حوار جديد لكن مع ماركوس شخصيا, وعلى طريقة رجال الأعمال التي يجيدها الرئيس فيثنتي فوكس من خلال عمله في السابق كرئيس لشركة الكوكاكولا في بلاده. التقط ماركوس عرض الرئيس فوكس, ولكنه قرر أن ينفذه بطريقته الخاصة, التي دأب على التعامل بها طوال السنوات التي قضاها في الأحراش منذ تفجيره لشرارة الثورة الثاباتية في الأول من يناير 1994. وبدأ ماركوس زحفه إلى العاصمة محاطا بمجموعة صغيرة من رجاله, كان يمكن لفرقة صغيرة من الجيش أو البوليس القبض عليه وزجه في السجن, أو ببساطة التخلص منه بقتله برصاصة طائشة لا يعرف أحد مصدرها, كما اعتاد الجيش والبوليس في تعاملهم مع مثل تلك القضايا. لكن ماركوس كان يعرف كل هذا, وما كان له أن يغفل عن ذلك, لذلك وزع رجالا غير مرئيين, لا يمكن لا الجيش ولا البوليس اكتشافهم, يمهدون له الطريق ويحذرونه من أي طارئ, ومن هنا كانت السماعات الصغيرة التي تلتصق بأذنيه من تحت القناع, وأيضا كانت قافلته الصغيرة نقطة ماء في بحرين عارمين, الأول وسائل الإعلام التي تسلط عيونها وآذانها وعدساتها عليه وعلى رجاله طوال أربع وعشرين ساعة, مما يعني أن أي محاولة لاغتياله أو المساس به يمكن أن تكون فضيحة دولية, والبحر الآخر مكون من عشرات الآلاف من جماهير الشعب المكسيكي التي اصطفت على طول الطريق من أحراش تشياباس وحتى العاصمة الوطنية لتحيته وتشجيعه على المضي قدما من اجل تحقيق ما يهدف إليه. بالطبع هناك من كان يريد أن يقول للمقنع ماركوس كلاما لا يعجبه, فهناك من يرى فيه (انتهازيا) أو (دجالا) أو حتى (مجرد مهرج), لكن من يملك القدرة على قول مثل تلك الأوصاف لمن يعيش محاطا بجماهير لم يسبق لزعيم سياسي سابق في الحصول على دعمها؟. شعار ماركوس وجماعته عدم العودة إلى الأحراش قبل الحصول على حقوق الهنود الحمر من خلال إقرار القانون الذي صاغته لجنة الحوار, التي انسحبت منها حكومة الرئيس ارنستو زيديو, وإذا لم ينجح فان السلاح ينتظره في الأحراش, وعلى الساسة في المكسيك أن يختاروا ما بين اللغتين. مسيرة ماركوس إلى العاصمة المكسيكية أصابت الحياة السياسية بانقسام حاد, والمواقف ثلاثة لا رابع لها, الأول موقف حزب الرئيس السابق ارنستو زيديو الذي يرى أن تحقيق تلك المطالب مستحيل, وعلى ماركوس أن يسلم نفسه وسلاحه ويذهب لحال سبيله, أو يُقبض عليه ويُحاكم عن ما ارتكب من (جرائم) خلال (تمرده). الموقف الثاني لحزب الرئيس الحالي فيثنتي فوكس, الذي يرى إمكانية تحقيق بعض المطالب, ولكن يرفض تماما تسليم الأراضي لأصحابها القدامى من الهنود, لأن هذا, في رأيهم, يفتح الباب أمام حرب أهلية, لأن تلك الأرض هناك من يستغلها من البيض, بغض النظر عن شرعية هذا الاستغلال. أما الموقف الثالث فهو لحزب الثورة الديمقراطية اليساري الذي يرى أن تلك المطالب عادلة, وانه آن الأوان لإعادة الأرض لأصحابها الحقيقيين, والاعتراف بحقوق الهنود الحمر التي حرموا منها طوال خمسة قرون. ما بين هذه المواقف يقف (ماركوس) شامخا, ومقنعا بقناعه, لأنه حقق بالفعل ثورة في زمن انتهت فيه الثورات, وأي كانت المحصلة النهائية لتلك المسيرة التي تشبه الحلم أو الأسطورة, فإن ثورته نجحت فيما أخفقت فيه عشرات الثورات, التي راح ضحيتها الملايين من ابناء الهنود الحمر طوال تلك القرون الخمسة التي أعقبت وصول كولومبس عام ,1492 ومن خلفه الاستعمار بكل أشكاله وألوانه.