عندما لا أستطيع ممارسة رياضة المشى, وعادة يكون ذلك بسبب سوء الأحوال الجوية وتراكم الثلوج أو الأمطار, أركب المترو من المحطة القريبة من منزلى, وهى المحطة الملاصقة لأحد أسوار جامعة هارفارد. وأنطلق بالمترو من مدينة كيمبردج الى مدينة بوسطن القريبة, والتى لا يفصلها عن كيمبردج الا نهر شارلز الذى يتجمد في أغلب أوقات الشتاء وتتحول مياهه الى كتلة واحدة ممتدة من الثلج الذى يغلب عليه اللون الرمادى. وبالطبع, ألمح النهر, ونحن نعبر فوقه, حين يخرج المترو من الانفاق التى يجرى فيها تحت الأرض, ليعبر النهر عبر جسر (لونجفلو) الذى يصل مابين ضفتى النهر, أى يصل مابين مدينتى كيمبردج وبوسطن. والمسافة قريبة على أى حال مابين المحطة التى أركب منها في مدينة كيمبردج والمحطة التى أنزل فيها في ميدان بوسطن, أو التى استبدل بها أحيانا محطة أخرى. ولا يشغل انتباهى اثناء جلوسى الى مقعدى في احدى عربات المترو سوى أن أتطلع الى وجوه الناس. الأغلبية من الشباب الذين تجمع بينهم التلمذة في جامعة هارفارد أو جامعة الـ إم.آى.تى أو معهد ماساشوستس للتكنولوجيا, أو غيرها من الجامعات الصغيرة غير المهمة التى تحتويها مدينة كيمبردج. ويمكن أن يكون هؤلاء الشباب من تلامذة الجامعات الموجودة في مدينة بوسطن, وينتقلون اليها من مدينة كيمبردج, ولا يوجد بين هؤلاء الشباب الا القليل من أمثالى الذين يدخلون في فئة العواجيز. وهى فئة يصعب عليها اقامة علاقة متكافئة مع هؤلاء الشباب, ذكورا كانوا أو اناثا. أذكر مرة اننى جلست الى جوار فتاتين في عمر ابنتى تقريبا, وكان كلتاهما تتحدث مع الأخرى عن بعض شئون الحياة, وبصوت مرتفع نسبيا لم أملك معه الا الانصات بدافع الفضول, وفجأة وجدت احدى الفتاتين تقول لزميلتها: أوه, ياإلهى!؟ كيف يمكن أن أتفاهم معه, وهو عجوز ملعون, انه فوق الأربعين ياعزيزتى. ولم أسمع بقية الحوار. ربما كانت تتحدث عن أبيها, ربما كانت تتحدث عن رئيسها في العمل (فأغلب الطلاب يعملون) وربما كانت تتحدث عن أحد أساتذتها. ولكن أيا كان من تتحدث عنه فهو رجل مثلى, وعجوز مثلى, ولا أعرف ان كنت مثله ملعونا أم لا. المهم اننى بعد أن استمعت الى هذه الجملة, لم أستطع ألا أن أطرح على نفسى السؤال: اذا كان هذا العجوز الملعون جاوز الأربعين, فأى صفة يمكن أن أنالها وقد جاوزت الخمسين, وأقترب من نهاياتها بخطى حثيثة؟ وابتسمت ساخرا من قطار الزمن الذى مضى بى سريعا دون أن انتبه, وخطر على ذهنى عنوان سخيف لفيلم عربى, أغلب الظن انه (مضى قطار العمر ياولدى). ولم أتذكر هل كان هذا الفيلم من اخراج مخرج الروائع حسن الامام أو من اخراج حسام الدين مصطفى, عليهما رحمة الله هما الاثنان, وغفر لهما ماارتكباه من ذنوب. وأحسب اننى بعد أن عرفت فئتى العمرية (عجوز ملعون يقترب من الستين؟! ويا للهول على رأى يوسف وهبى عليه رحمة الله هو الآخر) قررت بينى وبين نفسى عدم مبادرة الشابات أو الشباب بالحديث. إذا بدأوا هم أو هن (وهذا أفضل طبعا) بالحديث فأهلا وسهلا, وإلا فالصمت الرزين الذى يبدو وكأنه نوع من التأمل أليق بمن جاوزوا الأربعين أو الخمسين أو الستين أو غيرها من الأعوام. وقلت لنفسى على سبيل التأسى: ليست الشيخوخة أو كبر السن عيبا, فلكل عمر ميزاته, واذا كانت قد فاتتك روائح الجنة الشبابية ــ اشارة الى بيت الشعر الذى لا أذكر صاحبه, والذى يقول: يا للشباب المرح التصابى روائح الجنة في الشباب فهناك جنان أخرى قادمة. وأمضى في تعزية نفسى بتذكر وقفتى أمام شباك السينما التى اعتدت الذهاب اليها, وملاحظتى كلمة Senior , وهى كلمة تعنى الأكبر سنا, والأعلى مقاما, والأرشد, والبالغ سن التقاعد, وأمامها اشارة الى أن الفئة تدفع ثمن التذكرة مخفضا خمسين في المئة, وأكثر أحيانا. وسألت العاملة المسئولة عن التذاكر, هل يمكن أن أعتبر نفسى واحداً من هؤلاء (السينيور) وأحصل على تخفيض الخمسين في المئة؟! فنظرت الى شذرا, قائلة بحزم: كلا ياسيدى, أنت لا تزال شابا, ولم تبلغ هذه الفئة العمرية بعد. وكم كنت سعيدا بما قالت, فهى لم تشر الى العجز الملعون المرتبط بمجاوزة سن الأربعين, ووددت لو أعطيتها ضعف ثمن التذكرة خصوصا لأنها لم تكن عجوزة لعينة, وإن كانت جاوزت سن الأربعين مثلى. هكذا, أظل جالسا في المترو, مرتديا قناع الحكمة الصامت, متحليا بالوقار الرزين, أراقب من حولى من الأكثرية الشابة, وأتعاطف مع من مثلى, أو يزيد سنهم على سنى وإما أن أترك العنان لخواطرى, أو أقوم بترتيب أفكار ماسوف أكتب من مقالات أو دراسات, أو أتسلى بالتطلع الى الوجوه, وتعدد الجنسيات التى تدل عليها الوجوه, فانتقل الى تأملات داخلية عن معنى التعددية العرقية والتنوع اللغوى الذى تعيشه الولايات المتحدة, خصوصا هذه المنطقة التى أعيش فيها, والتى تمتلئ تقريبا بكل الأجناس, وتسمع فيها عشرات من اللغات. واذا مللت من تأمل التعددية العرقية, وقررت أن ألتفت الى غيرها من الظواهر التى تستحق القراءة, توقفت عند الكثير من الوجوه التى تبدو مستغرقة تماما في القراءة. وما أكثر من أراهم على هذا الوضع في المترو تختلف أعمارهم, وتتعدد جنسياتهم, وأجناسهم, ولكن الظاهرة هى هى. يدخل الواحد أو الواحدة من هؤلاء الى عربة المترو في عجلة تكشف عن حماسه أو حماستها, وما أن يجلس الفتى أو الفتاة (الرجل أو المرأة) الا ويخرج الكتاب من الحقيبة ويبدأ القراءة الى أن تأتى محطة الوصول. قليلون أو قليلات من يضيع وقتهم في الثرثرة مثل الفتاة البلهاء التى تجعل عجوزا ملعونا كل من جاوز الأربعين. وكثيرون وكثيرات هم (أو هن) من تراهم (أو تراهن) في المترو مع كتاب, وعلامات الاهتمام والاستغراق والاندماج بادية على ملامح الوجه. بالطبع, ما أراه في المترو مابين مدينتى كيمبردج وبوسطن يتكرر في كل وسائل الانتقال في الولايات المتحدة, تماما كما يتكرر في كل دول أوروبا, فالكتاب وصحبته ومحبته مسألة أساسية من مسائل الحياة في هذه البلدان والاهتمام بالكتاب لا يقل عن الاهتمام بكل ماهو مهم في الحياة جاء الكمبيوتر الصغير المحمول, وتراه على فخذى الكثيرين الذين يكملون أعمالهم, مراقبين شاشة الكمبيوتر الخاص بهم, داخل الطائرة أو في القطارات أو الحافلات, ولكن عدد هؤلاء لا يزال قليلا بالنسبة لعدد الذين يحملون الكتاب. ولا يزال حمل الكتاب داخل الحقيبة التى يحملها الإنسان في يده, أو يضعها على كتفه, أو على ظهره كما يفعل أغلب الطلاب والطالبات, أقول لا يزال حمل الكتاب عادة راسخة, متأصلة في النفوس بحكم التربية, وبحكم تأثير وسائل التثقيف العام, وبحكم اهتمام أجهزة الاعلام بالكتاب والترويج له. سألت نفسى, آخر مرة ركبت فيها المترو من كيمبردج الى بوسطن, عن عدد الذين رأيتهم يحملون كتبا في مترو الانفاق في القاهرة. أذكر صديقا اصطحبنى معه بالقوة ليريني جمال المترو في القاهرة, وركبناه من محطة الأوبرا الى حلوان, وعدنا من حلوان الى مصر الجديدة, يعنى جبنا القاهرة من أقصاها إلى أقصاها, وأقنعنى صديقى بأهمية المترو, وأن مدينة القاهرة دخلت مرحلة حضارية رائدة بوجود المترو الذى أعجبنى معمار محطاته بالفعل. ولكنى, حين تعاودنى هذه الذكرى استرجعها باحثا في تلافيف الذاكرة عن رجل واحد أو امرأة لاحظت معهما كتابا, فلم أتذكر, تماما كما يصعب أن أتذكر المهتمين بالقراءة من ابناء جلدتنا نحن العرب في وسائل النقل المختلفة. وابتسمت ساخرا لنفسى, وأنا أقول لها: اذا كنا لا نقرأ عادة ونحن مستريحين في بيوتنا, ولا يشغل المواطن عادة نفسه بالقراءة, ولا يقرأ الطلاب الا من أجل الامتحان, وكثير من الأساتذة لا يقرأون الا من أجل الترقية, اذا كان ذلك هو حالنا فهل تجوز المقارنة بين القراءة في المترو هنا والقراءة في المترو هناك. أذكر الآن اننى كنت في زيارة الى مقر اليونيسكو في مدينة باريس, وهناك عرفت معلومات مفيدة عن طباعة الكتب وتوزيعها, وكانت المفاجأة اننى عرفت أن دار نشر واحدة فرنسية, هى دار نشر جليمار, تستخدم من ورق الطباعة بقدر ما يستخدم العالم العربى كله في طباعة الكتب, كما عرفت أن أرقام توزيع السلاسل العالمية الشهيرة, مثل البينجوين, تطبع من الكتاب الواحد مئات الآلاف بل الملايين في بعض الأحيان, وقارنت بين هذا العدد المهول ونجيب محفوظ المسكين الذى لم يطبع له ناشر كتابا واحدا بالعربية فيما يجاوز خمسة آلاف أو حتى عشرة آلاف نسخة على أكثر تقدير. لا أذكر أين قرأت أن تزايد عدد المكتبات العامة والخاصة في الأمة هو علامة من علامات تحضرها ونهضتها, وأجدنى أقول لنفسى ان هذا الأمر لا يكفى, بل يجب أن يقترن بتزايد عدد المكتبات تأصل عادة القراءة في كل مكان, ومنها المترو, فذلك أفضل مليون مرة من الثرثرة الفارغة التى تصف مجاوزة الأربعين بالعجز اللعين.