فاجأني صديق بشكوى غريبة من (الانترنت) او (الطريق الدولي السريع للمعلومات) الذي يتيح لأي شخص في لحظات قليلة الابحار في مخزون المواقع العديدة من معلومات وتحليلات وآراء حول اي موضوع قديماً كان او معاصراً, ويجعله بضغطة على (فأرة) جهاز الكمبيوتر او (الحاسوب) في قلب الحدث, ملماً دون مجهود بأحدث ما انتجه العقل البشري من أفكار اصيلة او مستنسخة, جادة او هزلية, موضوعية او مليئة بالتحيزات والهرطقات. وتلخصت شكوى صديقي من ان (الانترنت) فتح الباب واسعاً امام ثقافة (الفاست فوود) او الوجبات المعلوماتية السريعة, بكل عيوبها, حيث لا طعم ولا ذوق ولا شيء أصيل, مثل سندويتش (الهامبورجر) الذي يخدعك بأنك تتناول لحماً وهو في الحقيقة شحوم نباتية مخلقة من فول (الصويا) الامريكي!. وزاد صديقي ــ وهو من مدمني استخدام (الانترنت) ــ بأن هذه الطريقة وسعت دائرة (اللصوصية) والسرقات الادبية والفكرية, واصبح بامكان اي ملم بقواعد المشي على الطريق الدولي السريع للمعلومات, ان يتقمص شخصية الكاتب والباحث والناقد الأدبي والمحلل السياسي, وان ينتحل اي شخصية يشاء, دون توفر اي صفة له وبدون مجهود, وبلا رصيد معرفي. قلت لصديقي, لكنك بنقدك هذا, تحرم القارئ, اقصد قارئ الصحف من الاستفادة بخدمات (الانترنت) الذي يختزل المسافات المكانية والزمانية ويوسع دائرة الرؤية والمعرفة. رد صديقي الساخط على شيوع نمط جديد من الكتابات, التي تسطو على انتاج الآخرين, وتنسبه لأقلام لا مداد لها, وعقول فارغة من اي مخزون او رصيد معرفي, وقال: صحيح, ليس بإمكان أحد انكار قوة (الانترنت) المعلوماتية لكن, وبالمثل لا يمكن تجاهل السلبيات او الجرائم التي يساهم في ظهورها, واخطر جريمة (القرصنة) من جانب الهواة والمحترفين. وقبل ان استوقفه مستوضحاً, انفجر صديقي, متسائلاً: ألم تتابع ما تنشره الصحف من موضوعات مذيلة بأقلام فلان وعلان, وهي في الحقيقة تلخيص واعادة عرض لموضوعات من مخزون مواقع مقامة على الطريق الدولي السريع للمعلومات, بحيث تاهت الانساب, واختلطت, وأصبح للموضوع الواحد ألف مؤلف أو يزيد, ولم يعد بإمكاننا التمييز بين المؤلف الحقيقي, والآخر الذي انتحل شخصيته, وادهى من ذلك ــ والكلام ما زال لصديقي ــ ان القراصنة يخلطون في سطوهم السريع او وجباتهم السريعة ما بين تحليلات ورؤى متناقضة, بعضها ينتمي لمدارس فكرية وادبية لا يربط بينها سوى عداء لا ينتهي الا بانتهاء احداها, ومع ذلك لا يفرق (القرصان) ولا يميز خلافاتها ويجمع ما بينها في وجبته المسممة لعقول القراء. وعدت لأسأل صديقي عن سر ثورته المفاجئة ضد (الانترنت) فزادني حيرة, بقوله انه تابع خلال الايام الاخيرة, المعركة التي شغلت العالم حول تدمير حركة طالبان الافغانية (للتماثيل البوذية) وطالع كل ما كتب حولها, واكتشف دوران معظم من تعاملوا معها بالتعليق والتحليل في فلك, تحليل لعدد من الخبراء الغربيين, ولم يضع يده على رؤية تتسم بالجدية والأصالة يمكن ان تنسب لكاتبها من ابناء الناطقين بالعربية. فالكل على حد تعبيره, رددوا مقولة ان طالبان اما انها بفعلتها تريد التغطية على سرقات الاثار التي لا تقدر بثمن, او انها تعلن عن يأسها من المجتمع الدولي والحصار المفروض عليها. وفي رأي صديقي ان هذا التحليل يمكن قبوله من اي اوروبي قليل الاطلاع على جذور طالبان الاسلامية, ولا يمكن قبوله من كاتب مسلم يدرك ان ما فعلته طالبان تعبير عن اتجاه قد تختلف او تتفق معه لكنه موجود ويتجلى في مواقف كثيرين يخلطون ما بين تحطيم الاسلام للأصنام وما بين التماثيل كأعمال فنية خارج دائرة العبادة.