بضعة شهور فقط انقضت قبل ان يثبت عمليا وعلى الارض فشل سياسة اليد الحديدية التي تبناها الجنرال باراك في اختبار القوة بينها وبين الانتفاضة الفلسطينية, وبمغادرة باراك المسرح مشبعا بالخيبة صعد الجنرال الاخر ارييل شارون ليثبت للشعب الاسرائيلي النجاح فيما فشل فيه سلفه, فماذا نرى الان؟ لم تنقض بضعة ايام حتى ظهرت بوادر فشل سياسة شارون التي تتضمن خطة للبطش غير مسبوقة في تاريخ الوحشية العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين, هذا هو التفسير البراجماتي لمشهد (رام الله) قبل ايام معدودات. خطة شارون تقوم على اساس تحويل الضفة الغربية الى رقعة شطرنج بمعنى تقطيع اوصالها وتجزئتها الى 60 قطعة صغيرة ترابط في كل منها وحدة عسكرية اسرائيلية.. ومن ثم تنفرد كل وحدة عسكرية بالجمهور المحدود للفلسطينيين في كل قطعة. وكانت مدينة رام الله موضع الاختبار الاول للتنفيذ على نحو فجائي قامت الجرافات الاسرائيلية بحفر خندق عميق وعريض يطوق المدينة من جهاتها الأربع, في الوقت نفسه اغلقت القوات الاسرائيلية كل الطرق التي تربط بين المدينة وضواحيها والقرى المجاورة لها بكتل اسمنتية. واكتمل عزل رام الله بنسبة مئة في المئة بقطع الاتصالات الهاتفية. وبموجب الخطة يضطر الأهالي الى البقاء في منازلهم فلا يستطيعون الخروج الى اعمالهم او مدارسهم ويبقون هكذا الى ان يستسلموا او يحاول الناشطون منهم اختراق الحصار فيصطادهم الرصاص الاسرائيلي بكل سهولة. وهكذا يتم تدجين الشعب الفلسطيني بتعميم تطبيق الخطة على سائر مربعات رقعة الشطرنج, فشارون رأى من خلال خطته المبتكرة ان النتيجة النهائية لن تكون سوى استسلام فلسطيني تام. لكن ما وقع هو العكس تماما.. فقد خرجت الالاف المؤلفة من أهل رام الله وزحفت دون تهيب صوب الحواجز الاسرائيلية واشتبكوا مع القوات الاسرائيلية وسط لعلعة الرصاص, وتضاعفت المفاجأة عندما اتضح ان احد كبار رموز السلطة الوطنية الفلسطينية ـ ياسر عبد ربه وزير الاعلام ـ يتقدم هذه الألاف من الجماهير والى جانبه اساتذة جامعات. فعوضا عن استسلام افرزت خطة شارون مشاعر استفزاز فلسطيني الى تلك الدرجة التي تتساوى فيها الحياة مع اللامبالاة في الموت. لقد كان مشهد رام الله من الهيبة المرعبة ورد الفعل الغاضب ان القيادة الاسرائيلية انشقت على نفسها علنا في تقييم مدى صواب ماجرى ومن خلال معركة الاشتبكات اللفظية السياسية بين وزراء شارون اتضح ان الجنرال دبر خطته ونفذها من وراء مجلس وزرائه فلم يشرك معه سوى رئيس اركان القوات المسلحة. وما بين العاصفة الجماهيرية الفلسطينية والعاصفة الداخلية الاسرائيلية اضطر شارون للتراجع لقد قال وزير اسرائيلي ان (هذه الاجراءات قد تضر اسرائيل بدرجة اكبر بدلا من ان تخدمها) وحذر من ان من اضرارها انها سوف تتسبب في خلق مشاعر مرارة خطيرة بين الرأي العام الفلسطيني واحساس لدى الفلسطينيين بأنه لم يتبق لديهم شيء يفقدونه). ومع استمرار هبوب العاصفتين من الاتجاهين المتضادين اضطرت حكومة شارون الى اصدار قرار (بتخفيف الحصار). ولكن يبقى السؤال الاساسي: هل يستأنف شارون المضي في خطته؟ ان مراهنة الجنرال على القوة الوحشية المفرطة لا تختلف عن مراهنة سلفيه باراك ونتانياهو الا من حيث الدرجة ولهذا لن يمضي طويل وقت قبل ان يكتشف شارون ما اكتشفه سلفاه: انه كلما تصاعد استخدام القوة المفرطة كلما صار الفلسطينيون اشد غضبا وجسارة.. وكلما انشقت الجبهة الداخلية في اسرائيل اكثر فأكثر.