شنت بعض الصحف الغربية في المدة الأخيرة حملة إعلامية منظمة استهدفت الجزائر وشككت في مقدرة النظام الجزائري في تجاوز أزمته الداخلية, وذهبت هذه الصحف الى حد توجيه اتهامات مباشرة وغير مباشرة الى النظام الجزائري وعلى وجه الخصوص الجيش الجزائري بضلوعه في المجازر التي ارتكبت في المدن والقرى الجزائرية والتي حصدت اكثر من مئة ألف قتيل معظمهم من المدنيين العزل. وعلى الرغم من ان العديد من الجماعات المسلحة ألقت السلاح وسلمت نفسها للعدالة للاستفادة من قانون العفو الذي أقره لها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إلا ان بعضا من هذه العناصر خاصة عناصر الجماعات المسلحة التي يقودها عنتر الزوابري وحسن خطاب لا تزال ترفض مشروع السلم المدني الذي طرحه الرئيس الجزائري ولا تزال تزرع الموت في صفوف الشعب الجزائري الذي تكاتفت جهوده مع جهود الجيش عزماً على محاربة ما تبقى من هذه العناصر الدخيلة على المجتمع الجزائري حيث تبين ان معظم هذه العناصر تحمل حقداً دفيناً للجزائر وقد وقف اهاليهم مع الاستعمار الفرنسي ومنهم من شارك في حملات التعذيب التي كان الجيش الفرنسي يمارسها على الشعب الجزائري وأصبح هؤلاء العملاء يلقبون بعد الاستقلال بـ (الحركة) أي الخونة والعديد منهم هجر الجزائر متوجها الى فرنسا ومنهم من بقي يعيش بين صفوف الشعب بعد أن غادر بلدته وذهب ليعيش في بلدة أخرى, وها هم أولادهم يواصلون اليوم سياسة آبائهم بلا وازع ديني أو أخلاقي أو وطني, وقد صرح العديد منهم على شاشات التلفزيون انه يرفض استقلال الجزائر ويفضل لو بقيت الجزائر مستعمرة فرنسية التي ناضل آباؤهم عليها, وقد تستروا بالدين لزرع الفتنة والموت بين الشعب, وأكثر من ذلك كله شكك هؤلاء الخونة في ولاء ونزاهة الجيش الجزائري سليل جيش التحرير الوطني والذي يعترف كل جزائري بالدور الذي لعبه ولا يزال يلعبه في اجتثاث جذور الارهاب ولولا يقظة هذا الجيش الذي يتمتع برصيد ثوري لكانت الجزائر سقطت في حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس. كما أن أبعاد الأزمة الجزائرية لا يمكن قراءتها فقط في الدور السلبي الذي لعبه نظام الشاذلي بن جديد الذي خلف نظام الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين والذي أوصل البلاد الى حد الافلاس حيث تفاقمت المديونية وتزايد مستوى التضخم وارتفعت نسبة البطالة خاصة في أوساط الشباب بل ان ابعاد الازمة الجزائرية يمكن قراءتها ايضا من خلال لعبة التوازنات الدولية والصراعات بين القوى الدولية حول توزيع الأدوار فيما بينها في النظام الدولي الجديد الذي بدأت تتشكل ملامحه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية فقد وجد العديد من الدول الأوروبية الغربية انه من الضروري للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية إبعاد الدول العربية الفاعلة من على المسرح الدولي وذلك بتضييق الخناق عليها داخليا وإدخالها في دوامة من المشكلات الداخلية التي تبعدها عن الحياة الدولية من جهة وتقضي على مشروعها التنموي من جهة أخرى, وهكذا تحولت الجزائر الى دولة مثقلة بالديون ودولة لا أثر لها في الحياة الدولية وأكثر من ذلك كله دولة امتدت آثار أزمتها الى الدول المجاورة لها كالمغرب وتونس وموريتانيا وليبيا, فهذه الدول التي أسست اتحادا اقليميا في عام 1989 لم يعد لاتحادها وجود اليوم وأكثر من ذلك كله أثرت الأزمة الجزائرية على الدور الذي كانت الجزائر تتطلع اليه في المحيط الأوروبي المتوسطي. فهذا الدور لا يرضي بعض دول الاتحاد الأوروبي خاصة دول أوروبا الجنوبية كفرنسا وايطاليا واسبانيا وأصبحت هذه الدول تتنافس فيما بينها حول من تكون له الغلبة في الاستحواذ على الأسواق الجزائرية والمغاربية فعدم الاستقرار في الجزائر بنظر هذه الدول انه يخدم مصالحها أولاً ولكن تراقب الوضع من بعيد من خلال وجودها في الحلف الأطلسي الذي بدأت له اهتمامات بالضفة الجنوبية من الحوض. والملاحظ ان الدول الأوروبية التي تشن الحملات الإعلامية على الدول المغاربية تتخوف من احتمال ان تنتقل اليها عدوى الارهاب لكنها في ذات الوقت تحتضن على أراضيها العديد من الجماعات الارهابية ولا تلاحقها قانونياً لأنها تدعي انها دول تحترم حقوق الانسان وحرية الرأي. والملاحظ أن الجزائر بعد سنة من تولي عبدالعزيز بوتفليقة الرئاسة في الجزائر, تمكنت الى حد بعيد من تفكيك المعضلة الأمنية, وإن كانت بعض العناصر التي لم تلق سلاحها لا تزال تواصل عملياتها. وتمكن الرئيس الجديد بشهادة العديد من الملاحظين للشأن الجزائري من اعادة الجزائر الى الحياة الدولية في ظرف قياسي وهذا التحول الإيجابي في أزمة الجزائر لم يرض الدوائر الأوروربية التي تفضل ان تبقى الجزائر تعيش في دوامة الارهاب الأعمى, فبدل أن تقدم مساعدات واستشارات للخروج من الأزمة راحت تشن حملتها الإعلامية على الجزائر مشككة في مقدرة النظام الجزائري على تجاوز محنته, ونعتقد ان الجزائر قد قطعت أشواطاً من محنتها ولم يتبق لها الكثير لتحقيق الاستقرار الأمني الذي سيكون مقدمة نحو الإنعاش الاقتصادي الذي سيعيد الجزائر الى الدور الذي كانت تلعبه في الساحة العربية والدولية خاصة ان الواقع الدولي الجديد يتطلب منها أدوارا تدعم بها الصف العربي. باحث جزائري