في شهر يوليو عام 1999 نمت الى الشرطة البريطانية معلومات تفيد بتوقع وصول حاوية الى الأراضي الايطالية وعلى متنها شحنة ضخمة من سموم الكوكايين اللعينة البيضاء. هذه النوعية من المخدرات فضلا عن ضخامة الشحنة التي تحتويها كان لابد وأن تحفز هيئة سكوتلاند يارد الى اعلان حالة طوارئ داخلية. إن الأمر لا يقتصر على خطورة الكوكايين بوصفه عقارا مخدرا يلحق أفدح الأضرار بصحة البشر وعقولهم وانتاجيتهم بل ومستقبل أجيالهم بين صفوف الشباب بالذات. شبكات الانحراف لقد أصبحت المخدرات في هذا القرن الجديد محور الجريمة المتعددة الجنسيات أو الجريمة غير الوطنية أو الجريمة العابرة للقارات تلك نوعية خطيرة من الانحراف الاجرامي المتشعب أو المركب ــ الشبكي كما قد نقول ــ وبمعنى أنه يفضي بالضرورة الى أنماط أخرى من الجريمة ومنها مثلا جرائم غسيل الأموال وانغماس البنوك وكبار موظفيها في حمأة عمليات تقوم على فساد الذمم وخراب الاقتصادات القومية, ولأن الفساد مرض معد بحكم التعريف فإن سلوكياته لا تلبث تنتقل عدواها فتصيب ذمم أفراد وفئات على مستوى السلطة القضائية بكل جلالها وذلك في ضوء اغراءات الملايين الطائلة التي تدفع على شكل اكراميات ووساطات وخدمات ظاهرها تبادل المنافع وجوهرها الرشوة وإفساد الذمم في التحليل الأخير. المخدرات في 5 بلدان في اطار هذه العوامل كلها, اتصلت شرطة بريطانيا مع (الزملاء) في الشرطة الايطالية التي خفت الى ارتقاب وصول الحاوية الهدف واكتشفت وجود 1400 كيلوجرام من مخدرات الكوكايين داخلها.. ولكن بعد اتصالات متلاحقة دارت بين لندن وروما أزمع قادة الشرطة في العاصمتين أمرا كان له أهميته وهو: * أن يتركوا 500 كيلوجرام من الكوكايين على متن الحاوية ثم يقتفون أثرها ويتابعونها الى حيث يكتشفون وجهتها الأخيرة المقصودة. * هنالك بدأت عملية متابعة حثيثة مرهفة الحساسية بالغة الدقة.. كشفت عن أن حاوية المخدرات توجهت من ايطاليا الى اليونان ومنها الى مقدونيا (في أراضي يوغسلافيا سابقا) ثم عادت الى ايطاليا وأخيرا بلغت وجهتها في النمسا وحطت الرحال في العاصمة فيينا حيث تم ضبط شحنة المخدرات ومصادرتها والقبض على المسئولين عن استلامها. وكان من الطبيعي أن يجد الخبر طريقه الى صفحات الجرائد. في زاوية من تلك الصفحة أو تلك.. عن يمين أو شمال.. وربما تلاه مذيع أو مذيعة في محطة ارسال مسموعة أو مرئية.. قومية أو محلية.. وبعدها مصمص الناس شفاههم وقد تملكتهم الدهشة من جسامة الشحنة.. وربما استعاد بعضهم خطر المخدرات اللعينة.. و.. دمتم وما كان لأحد من هؤلاء القارئين أو المشاهدين أو المستمعين أن يتصور كم بذلت من جهود وكم جُمعت من معلومات وكم أجريت من اتصالات بين شبكات الشرطة في خمس دول ما بين غرب أوروبا ووسطها وفي لغات شتى. من ناحية أخرى لا يكاد أحد يتصور فداحة الاختراق الذي تعرضت له تلك الأقطار الخمسة من جانب شبكات التهريب والجريمة الدولية بكل أخطارها وبكل ما ينجم عن أنشطتها الجماعية الفائقة التنظيم والامكانات من أضرار جسيمة تلحق بالاقتصادات القومية والبنى الاجتماعية الصحية الوطنية, وتصادر كما ألمحنا مستقبل أجيال من الشباب الناشئ عندما يقع أفراد كثيرون منهم ضحية التعاطي وفريسة الادمان. رئيس الانتربول يتحدث وفي ضوء جسامة هذه الأخطار نشرت مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية في أحدث أعدادها (فبراير 2001) مقابلة مسهبة مع (رايموند كندول) رئيس شرطة الانتربول الدولية الذي تقاعد مؤخرا, حيث كشفت النقاب عن الهواجس والهموم والمسئوليات التي تشغل بال هذه المؤسسة الشرطية العالمية وعلى رأسها قائدها الذي يحمل اللقب الذي وصفته به المجلة وهو: * رئيس شرطة الدنيا ويروعك عزيزنا القارئ الكريم أن تطالع مع شاويش كوكبنا السيد كندول آخر احصاءات للأمم المتحدة قدروا فيها حجم التعامل المالي لشبكات الجريمة المنظمة ويسمونها في مصطلح الشرطة وأدبيات الانحراف باسم (نقابات) الجريمة المنظمة يروعك أن يبلغ حجم هذه التعاملات ما يصل الى 1.5 تريليون دولار سنويا (ضع 12 صفرا على يمين الرقم) وهو رقم كفيل بأن يهز إن لم يزلزل أركان وقوائم النظام الاقتصادي العالمي أو على الأقل يعطي المتعاملين به سلطات ونفوذا جبارا وتأثيرا من أفدح وأفعل ما يكون على أسعار السلع والمنتوجات والخدمات التي تمس الحاجة اليها عبر القارات والحدود والمحيطات. إن صندوق النقد الدولي يقدر مثلا أن القنوات المالية والمصرفية في أمريكا وحدها تقوم بغسيل أموال قذرة مشبوهة وطبعا مستقاة من مصادر حرام وتغل الأرباح الحرام وبحجم يصل سنويا الى 600 مليار دولار. تهريب الماس بل إن المسألة لم تعد تقتصر على تهريب المخدرات بل تشعبت الأمور الى حيث شملت مؤخرا تهريب الماس بأنواعه المختلفة ودخلت في هذه السوق عناصر بارونات الحروب الأهلية والصراعات الداخلية في غرب ووسط افريقيا بالذات.. حيث لا يقتصر الخطر على حكاية التلاعب بأسعار الماس بوصفها من ضوابط التوازن في دولاب الاقتصاد العالمي ولكن الأخطر هو استخدام شحنات من هذا الماس المهّرب في شراء أنواع سوبر متطورة من أحدث أسلحة الدمار ومن ثم إشعال نيران الحروب الأهلية واستمرار حالات زعزعة الاستقرار وهو ما يؤدي الى تفاقم ظاهرة بل كارثة اللاجئين الفارين طلبا للنجاة بأرواحهم عبر الحدود.. وتلك ظاهرة تفضي بدورها الى الدمار الصحي والسيكلوجي للاجئين فضلا عما تشكله من أعباء تنوء بها اقتصادات الأقطار المضيفة المثقلة بل المثخنة أصلا بأعباء فادحة حيث الفقير المقيم تفرض عليه الظروف الضاغطة أن يستضيف الفقير الهارب الوافد.. ومن ثم ينسج المقيم والوافد خيوط مأساة انسانية تنوء بها قدرة العالم ممثلا في الوكالات المختصة المنضوية, كما تعرف, ضمن منظومة الأمم المتحدة. جريمة الاتجار في البشر من تشعبات الجريمة الدولية أيضا الاتجار في البشر.. هكذا عيني عينك كما يقولون.. ومن عجب أن تبلغ البشرية من ناحية آفاقا رفيعة من الرقي الفكري والتقدم العلمي والتطور التكنولوجي.. تبدع أجمل السمفونيات وتحقق أعظم انجازات في مجال هندسة الجينات وتنجح في اكتشاف الجينوم دفتر الأحوال أو الخريطة الموضحة لأحوال وأطوار الكائن البشري.. ثم إذ بالانسانية مع كل هذا الرقي والتقدم ترتد نكوصا في زماننا الى حيث تستعيد وقائع عصور العبودية والاسترقاق حيث تزدهر عمليات الاتجار بالبشر.. الرجال البالغون في سن العمل يتم تهريبهم في قيعان سفن لا تليق سوى بشحن الحيوان ويتم التحفظ على جموعهم في أقبية مظلمة في أكبر عواصم الدنيا.. وهي أيضا تجارة خبيثة شريرة في النساء والأطفال لاستخدامهم في أنشطة مشبوهة ومدمرة يمكن أن يطلق عليها وصف (صناعة.. البغاء)! الأدهى من ذلك والأنكى أن شرطة الانتربول الدولية أصبح يتعين عليها مواجهة أنماط جديدة من شخصيات المجرمين. زمان كان المجرم الدولي سفاحا أو تاجر مخدرات أو لصا للأعمال والمقتنيات الفنية التي تقدر بالملايين.. وهذه النوعيات من المجرمين المحترفين كانت تصدر في حقهم أحكام من المحاكم الوطنية وفي حالة هربهم الى بلد آخر تصدر أوامر الضبط والاحضار التي يتعامل معها البوليس الدولي (الانتربول) متعاونا مع هيئات الشرطة الوطنية المحلية في هذا البلد أو ذاك حيث تتكامل هذه الجهود مع ضرورة وجود اتفاقات لتسليم المجرمين (اكسترا دشن) فيما بين الحكومات والأقطار المعنية.. وربما كانت هيئة الانتربول قانعة بممارسة تلك الجهود الاحترافية وبالتعامل مع هذه النوعيات التقليدية كما يمكن وصفها من المجرمين. الابادة الجماعية لكن الدنيا تغيرت.. وأصبح العالم يواجه بمدى العنف الرهيب المستشري في أوصاله جميعا عنف مسلح يصل الى درجة إبادة البشر بصورة جماعية بصورة لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث على أقل تقدير ومرة أخرى.. قُتل الانسان.. ما أكفره! يحقق ما ألمحنا اليه من انجازات التقدم ويصل الى ما ألمحنا اليه من ثمار الرقي في مضمار العلم والابداع.. ثم لا يلبث أن ينصب مصارع ومقاتل (الميم المفتوحة) لبني البشر.. حيث تزهق الأرواح بالآلاف وتراق الدماء أنهارا بغير حساب يستوي في هذا نظام بول موت في كمبوديا الآسيوية.. أو الإبادة الجماعية في صراعات الهوتو والتوتسي في راوندا بوروندي الافريقية أو محارق التطهير العرقي التي اقترفها سفاحو الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك الأوروبية ومن قبل هذا كله حالات القتل والاختطاف القسري والاختفاء أو هو الإخفاء التي سبق الى ارتكابها نظام أوجستو بينوشيه في تشيلي بأمريكا اللاتينية منذ النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن العشرين. وعندما أفاق العالم على هذه الجرائم الجماعية الفظيعة بادرت المنظومة العالمية الى انشاء محاكم جنايات دولية تختص بالنظر في تلك الجرائم ومعاقبة مرتكبيها ما بين محكمة رواندا ومحكمة يوغسلافيا.. وصولا الى ما تم في روما منذ نحو 3 سنوات من وضع معالم النظام الأساسي في روما, الذي يقضي بإنشاء محكمة دولية دائمة للنظر في الجنايات والجرائم المرتكبة في مثل هذه المجالات. محاكم جنايات دولية ولأن الشيء لزوم الشيء كما يقولون فقد جاء انشاء هذه الهيئات القضائية الجنائية الموقرة ليرتب أعباء ويضع واجبات ثقيلة وجديدة على عاتق شرطة الانتربول الدولية.. وفي مقدمتها كما هو بديهي مهمة ملاحقة المتهمين الدوليين بارتكاب تلك الجرائم أو التدبير لارتكابها أو التحريض على ارتكابها. ويعرف أهل القانون أن الجريمة في هذا المجال (شخصية) بمعنى أنه لا يمكن التنّصل من مغبة ارتكابها بدعوى أنها صادرة من مستوى أعلى أو أن مرتكبها يصدق عليه وصف (عبدالمأمور) ينفذ الأوامر الصادرة اليه من علٍ.. يقتل أو يغتصب أو يحرق أو يدمر وهو في ذلك كله يحسب أنه بمنأى عن التجريم أو بمنجاة عن التأثيم والمقاضاة على ما ارتكب هو أو هي شخصيا من جرائم وانحرافات. ومن متغيرات الجرائم التي أصبحت في مواجهة شرطة الانتربول جريمة الارهاب.. سواء كان ارهاب أفراد أو جماعات أو ارهاب الدولة في بعض الأحيان. ومن متغيرات شخصية المجرمين الذين أصبح يتعين على الانتربول ملاحقتهم ما وصل بهذه الشخصيات الى كبار الساسة والمسئولين رادوفان كارديتش مثلا القائد العسكري أو فلنقل سفاح البوسنة الصربي في يوغسلافيا. ومنهم من يصل الى مستوى القائد العام أو رجل الدولة القوي مثل الجنرال بينوشيه الذي ما زال أمره مطروحا على القضاء لمحاسبته على ما جنته يداه ويدا نظامه الديكتاتوري العسكري في تشيلي. ومن هؤلاء المجرمين المطلوب ضبطهم واحضارهم أمام المحاكم الجنائية الدولية رئيس يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفيتش ثم أن من الجرائم الدولية المستجدة نوعيات فريدة من القراصنة الجدد في زمان القرن الحادي والعشرين. انتهى بالطبع عهد قراصنة البحار السذج الخائبين كما في أفلام السينما يضيع الواحد منهم حياته أو فلنقل عينه اليمنى أو ذراعه الشمال لقاء قلادة من ذهب أو سيف من حديد. قراصنة زماننا يعملون في صمت مطبق وبذكاء خطير شرير يسرقون المعلومات ويهتكون الأسرار وينفذون الى مكامن البيانات ويزيفون الحقائق ويدلسون ويغشون ويستبيحون الملكية الفكرية لابداعات الآخرين واجتهادات الآخرين.. كل ذلك باستخدام آلة الحاسوب التي تعد شريكهم في الاتفاق الجنائي كما يقول القانون. ومن ذا الذي ينصب محاكمة لمقاضاة ماكينة حاسوب في يوم من الأيام؟! وهيئة الانتربول الشرطة الدولية مسكينة في هذا كله. يتعين عليها كما أسلفنا أن تواجه هذا المد الطاغي من نوعيات مستجدة, غير مسبوقة من الجرائم والمجرمين فيما لا تزال نفقاتها المرصودة في بنود الميزانية السنوية العادية للأمم المتحدة في حدود مبلغ 23 مليونا فقط لا غير من الدولارات. لا عجب أن يقول السيد كوندول الذي قاد الانتربول على مدى الخمسة عشر عاما الأخيرة أنه يشعر بإحباط كبير ازاء هذه الميزانية الضنينة الشحيحة لمنظمته التي تكافح جرائم تقدر امكاناتها وحجم تعاملاتها ببلايين الدولارات.. ويبقى السؤال: كيف ومتى نشأت الانتربول أصلا.. وكيف تطورت.. وما هي آفاق المستقبل بالنسبة لها؟ فلنبدأ قصة الانتربول من أولها.. (يتبع) كاتب سياسي من مصر