دخل الصيف ساخناً بحرارته المعهودة, يكوينا بنار اشتياقه, تتلظى من سعير لهيبه الأرض, ويتبخر في حر لقائه مخزون الماء! وحلول الصيف يعيد الى اذهاننا الصور التي فرزها مثل هذا الموسم من العام الماضي على سكان بعض المناطق الجبلية النائية من الجفاف وشح مياه الشرب, والتي أثارت المخاوف من ان تكون أزمة المياه سبباً في تجفيف المناطق النائية من سكانها وتعطيل تنميتها, فالاستثمار لا يمكنه العمل في بيئة تنقصها المياه كما ان الايدي العاملة لا يمكنها المجازفة بالعمل في قرى تفتقر الى الماء. وتشكل مشكلة نضوب المياه احد اهم التحديات التي تواجه الحياة على كوكب الارض وتتعدد اوجه هذه المشكلة, فهناك المياه المتسربة من الشبكات المهترئة والتي تذهب الى باطن الأرض سواء كان التسرب ظاهراً او مخفياً وهو الاكثر كمية وهناك فاقد اداري يعود لتعطل العدادات او عدم الدقة في تسجيلها او اخطاء القراءة وترحيلها وما شابه, اضافة الى الاعتداء على خطوط المياه واستعمالها غير المشروع من قبل السكان حيث تزداد هذه الظاهرة في المناطق النائية والبعيدة عن مراكز التجمعات. ومما لا شك فيه ان المساعي التي تبذلها الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء للحد من معاناة السكان في هذه المناطق على وجه التحديد امر لا يمكن اغفاله من خلال الانجازات التي حققتها في مجال توفير المياه في مختلف المناطق والتي شملت على تنفيذ محطات تحلية وخزانات وخطوط وتوسعات في نظام توزيع المياه وعمليات تأمين المياه في المساكن. ولكن الامر يتطلب البحث عن حلول جذرية تجعل القرى بمأمن دائم عن المعاناة ضمن خطة استراتيجية وطنية بعيدة المدى تهدف الى تطوير شبكات الماء في المناطق النائية وتتواكب مع حجم النمو المتزايد لاحتياجات السكان والمزارع من مياه الشرب والري. من جانب آخر تتطلب مشكلة المياه نوعاً من التعاون وتضافر الجهود لمواجهتها, وان تكون الازمة التي شهدها السكان خلال الاعوام الماضية قد ساهمت في تغيير المفاهيم بشأن تعاملهم مع المياه. فعندما يعمل الجميع من تلقاء نفسه على اتباع نهج ترشيد المياه فإن من شأن المساعي المبذولة للحد من أزمة المياه ان تعطي النتائج المرجوة, كما يمكن بتطبيق القرارات والقوانين الحد من ممارسات اهدار المياه الجوفية بالحفر العشوائي للآبار. وختاماً فإن تلك القطرات التي تنقط من صنابير منزلك ولا تستشعر خطرها تكلف دولة الامارات شهرياً ثلاثين مليون درهم! وانك بمفردك تستهلك يومياً 500 ليتر مياه لترتقي الى القمة الاولى لمعدلات الاستهلاك العالمي في حين حصة كل قاطن في بريطانيا 330 ليترا وفي فرنسا 215 ليترا وفي الاردن 150 ليترا, وتواصل لغة الارقام والاحصائيات لتقول ان الموارد المائية المتجددة في الوطن العربي 315 مليار متر مكعب, اي ما يوازي بيئة صحراوية جافة تهطل عليها الأمطار بمعدل 50 ملم في السنة.