شاب وشابة يعيشان تحت سقف واحد دون رابطة الزواج التقليدي.. فكل منهما يمارس حقه المكفول قانوناً في الحرية الجنسية. العلاقة تُثمر ولداً. بعد بضع سنين يفترق الشاب والشابة.. أيضاً من قبيل ممارسة الحرية الفردية الجنسية. ماذا عن الولد ومستقبله؟ برفض الرجل أن يحمل الولد اسمه العائلي تلجأ الأم الى منحه اسمها العائلي. فالرجل لن يكون واثقاً تماماً ــ رغم العشرة تحت سقف واحد مع أم الولد ــ من بنوته لهذا الولد. وكيف يكون واثقاً والحرية الجنسية المكفولة قانوناً للأم تُتيح لها الاتصال برجال آخرين رغم العشرة الثنائية التي اختارتها. فما الذي يمنع؟ هكذا يسأل رفيقها نفسه, أن يكون الأب الحقيقي لذلك الولد هو رجل آخر. وبالطبع لن يكون رفيق هذه المرأة مسئولاً عن الانفاق على الولد. هكذا يقول القانون. كما يقول القانون أيضاًَ إنه ليس من حق الولد أن يرث ذلك الرجل الذي من المحتمل أن يكون أباه.. ومن المحتمل كذلك ألا يكون. هذا هو نموذج العلاقة السائدة الآن في المجتمع الغربي. وزبدة المسألة أن الحرية الجنسية الفردية التي تكفلها القوانين في ذلك المجتمع تتحمل تبعتها في نهاية المطاف المرأة وحدها.. فالقانون لا يُطالب الرجل بدفع أي ثمن نظير ما لقي من متعة المعاشرة بعد أن يسأم من هذه المتعة فيترك رفيقته ــ ومعها ولده المحتمل ــ لمصيرهما. إنني أتساءل كلما حلت مناسبة (اليوم العالمي للمرأة) كما جرى في الأسبوع المنصرم (يوم 8 مارس): هل اضطهاد المرأة هو فعلاً مشكلة المجتمعات الفقيرة في العالم الثالث, كما تروّج مؤسسات غربية يحاكيها (كورس) ببغائي من مثقفي (البلدان النامية), أم أن المشكلة الأعظم هي في المجتمعات الصناعية الغنية؟ في الولايات المتحدة مثلاً, وبناء على احصاءات مؤسسات الخدمة الاجتماعية, صعدت نسبة الأطفال المولودين سِفاحاً الى نحو 52 في المئة. وبالطبع لا ينظر هناك الى السِفاح وثمرته بعين استهجان كما ينظر إليه في مجتمعات أخرى.. لكن هذا لا ينفي حقيقة ان المرأة ــ لا الرجل ــ هي الطرف الذي يدفع الثمن. إن من المتاح للرجل أن ينكر البنوة لأنه كذكر لا يصيبه حمل بينما ليس بوسع المرأة, وقد حملت الجنين وولدته طفلاً, أن تُنكر الأمومة. لكن أن يعمد الرجال الى استغلال هذه الحقيقة الطبيعية للتهرب من مسئولية الإنجاب وإلقائها على عاتق النساء.. وأن تسند قوانين الدولة الرجال ضد النساء فإنني لا أعرف اضطهاداً للمرأة يمكن أن يكون أبشع من ذلك. إن المجتمع الغربي يتعامل مع المرأة كسلعة قابلة للشراء والبيع والاستغلال. وهناك صناعات كبيرة بأكملها, مثل صناعة التسلية وصناعة الإعلان التجاري, وصناعة الدعارة يقوم رواجها أولاً وأخيراً على استخدام المرأة كسلعة تجارية معروضة على زبائن. والشيء بالشيء يذكر. لقد خذلت المنظمات الإنسانية الغربية الناشطة في مجالات (تحرير المرأة) ما كان يتوقع منها من أن تكرس مناسبة (يوم المرأة العالمي) لهذه السنة لظاهرة تعرف الآن باسم (تجارة الرقيق الأبيض). والظاهرة تتصل بشركات غربية خفية تربح مليارات من شراء ما يقدر بنحو 120 ألف شابة سنوياً من بلدان شرق ووسط أوروبا يعاد بيعهن الى سلسلة المواخير المنتشرة في بلدان أوروبا الغربية, وتصدير أعداد أخرى الى الولايات المتحدة. إن هذا لا يجب أن يعني بالطبع أن المرأة في مجتمعات العالم الثالث لا تعاني اضطهاداً. لكن على المؤسسات الإنسانية الغربية أن تلتفت أولاً الى ما يجري داخل مجتمعاتها قبل أن تتوجه بالوعظ الى غيرها.