كان بوسع الولايات المتحدة أن تتروى أكثر قبل الاقدام على فعلتها الأخيرة ضد العراق. فالسيناريو الذي اعتمدته واشنطن من حيث البداية والعقدة والحل والاطراف المشاركين هي تمثيل الأدوار.., بدا مفضوحا وينطوي على قدر من السذاجة والاستحماق, وربما كان اختيار توقيت الفعلة والبيان الخاص بتبريرها, أبرز العناصر فجاجة وسماجة في هذا السياق. فبمجرد قصف بغداد بلا سابق مؤشرات وعلائم, أصبح بإمكان أي تلميذ مبتدئ في العلاقات الدولية الافتاء في حيثيات العملية الأمريكية بالكامل, بدون أن يتهم بالجهل. وذلك بأن كل التوقعات المتعلقة بأهداف العملية, التي طرحها المعلقون والمراقبون, المعنيون عن كثب أو عن بعد بالشأن العراقي أو الشرق أوسطي عموما, أصابت شيئا من الحقيقة ولم تكن مغالية. فمن قال بأن العملية تستهدف لفت النظر عما يجري في فلسطين وجر الاهتمامات الاقليمية والدولية بعيدا عن الاجرام الاسرائيلي, هناك, كان محقا الى حد كبير. ومن استبصر أن واشنطن تود التأكيد على سياسة استمرار العقوبات ضد العراق, نظاما وشعبا وإبقائه في دائرة العزلة وإضعافه حتى النخاع, لم يبتعد عن الصواب. ومن تصور أن العملية تبعث برسالة إلى من يعنيه الأمر من القوي الدولية, المأمول منافستها للقيادة الأمريكية للنظام الدولي, لتذكر بأن الريادة أو الزعامة العالمية مازالت معقودة لواشنطن, هو أيضا محق. ومحق كذلك من قال بأن واشنطن تود إشعار الجميع بأن مفتاح المسألة العراقية, والخليجية بالطبع, مازال في جيبها , وذلك على الرغم من المظاهر الإنحرافية التي بدت خلال نصف العام الفائت. على أن القائلين بأولوية الرسائل العربية لهذه العملية, هم الذين فيما يظهر أصابوا كبد الحقيقة, فواشنطن بقصفها بغداد في هذا التوقيت استخدمت نوعا من الفيتو ضد اعادة الانفتاح العربي على العراق, وهي من جراء التداعيات المتوقعة, تبدو وكأنها تمارس حق الاعتراض على التحركات الاقليمية العربية في إطار ما هو أبعد وأوسع من دائرة العلاقات العراقية العربية. لقد شهد العام 2000 مظاهر كثيرة لتدفئة الصلات ما بين بغداد والعواصم العربية, لاسيما الفاعلة منها إقليميا والى حد ما دوليا, القاهرة ودمشق بخاصة, فثمة أكثر من أربعين طائرة حطت في بغداد خلال الشهور الستة الأخيرة من هذا العام, كان معظمها من عواصم عربية , وبعضها أخذ مظهر الاحتجاج على العقوبات الدولية بعدم الاستئذان من الأمم المتحدة. لا ريب أن واشنطن وتابعتها البائسة لندن قد امتعضت من هذه المواقف العربية التضامنية, التي غلب عليها السلوك الشعبي التلقائي بأضواء خضراء من النظم. لكن ما أحال الامتعاض الى انزعاج وقلق حقيقي, مؤشرات التقارب السياسي الاقتصادي التي تبنتها الدول العربية بشكل رسمي صريح وأهمها: * استضافة بغداد مشاركة للمرة الأولى منذ وقائع ماسمي بحرب الخليج الثانية وهو مسمى يحتاج الى تدقيق واعادة نظر في قمة القاهرة 2000 ولما كانت هذه القمة قد انعقدت للشأن الفلسطيني الإسرائيلي, فقد كانت دلالات حضور العراق أكبر مما تحتمله واشنطن. كيف لا, وهي التي اجتهدت مطولا لاستبعاد بغداد من تفاعلات التسوية العربية الاسرائيلية, بل وربما أضمرت المساومة على رفع الحصار عنها, بمباركة مخرجات التسوية, وفي أقوال أخرى, بمساهمة بغداد في ازاحة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر الموافقة على توطينهم في ربوع العراق! * تردد زيارات المسئولين العراقيين الى العواصم العربية, المقرونة باتفاقات تعاقدية بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل النظام العربي. مثل اتفاقات التجارة الحرة, تمهيدا للسوق العربية المشتركة, مع القاهرة وتونس ودمشق.. وكان من المفهوم لواشنطن وحلفائها. أن هكذا تحركات تصب في التحليل النهائي في تعزيز النظام العربي, فيما المطلوب على مدار العقد الفائت هجران هذا النظام. ولكن ماهو أكثر مدعاة للغيظ والغضب, ماتنطوي عليه هذه التحركات من اعادة الوصل السياسي الاستراتيجي بين مثلث القاهرة دمشق بغداد, فلطالما كانت واشنطن وتل أبيب, وغيرهما من المتربصين بالتطور الوحدوي أو حتى التضامني العربي, معادين للتوافق والانسجام أو التنسيق بين هذه الأضلاع الثلاثة, كما أضاف إليها الاستراتيجيون الغربيون ضلع الرياض, وهو ما زاد من حملة الغرب ضد النظام العربي, لأنهم يدركون أن صحوة النظام العربي أو غفوته مرهونة بحال التفاعلات بين هذه العواصم الأربع. * النزوع العربي, شعبيا أولا ورسميا ثانيا, للعمل مع العراق الشعب والنظام من منطلق ثقافة الغفران والصفح, والعلاقات المتواترة لاستقبال العراق بقبول حسن. واستحضار ما لهذه الدولة من مكانة في النظام العربي, والتذكير والتحذير من الغلو في الانجراف مع تيار الدعوة الأمريكية الاسرائيلية لجعل حادثة الثاني من أغسطس 1990 نهاية التاريخ العربي للعراق, ووجود اتجاه غالب للاقتداء بنظرية اعادة تأهيل العراق عربيا, على غرار ماجرى مع ألمانيا وايطاليا غداة الحرب العالمية الثانية في الرحاب الأوروبية. وأكثر ما يؤذي السياسة الأمريكية في هذا الاطار هو انتشار الدعوة العربية القائلة بأن حال النظام العراقي هو شأن يخص العراقيين أنفسهم, والا أضحى من حق أي طرف أن يعاقب أي شعب بزعم عدم الرضا عن اداء نظامه. علاوة على هذه المستجدات العربية العراقية المزعجة أمريكيا, فقد لا حظت واشنطن بعض السياسات الاقليمية العاطفة على تأهيل العراق خارج المنظومة العربية منذ ذلك الغزل المتلصص بين بغداد وطهران. صحيح أن مياه العلاقات العراقية الايرانية لم تصف كليا, لكن الاتجاه الى هذا الصفاء قائم حتى أن الدولتين أبرمتا بروتوكولا لمد السكك الحديدية من طهران الى بغداد وصولا الى دمشق واذا كان التحالف السوري الايراني وحده يقلق واشنطن وتل أبيب, فكيف اذا ماتعزز بدخول بغداد إلى الخط, دخولا مشفوعا بمصالح اقتصادية وتواصل تحمله القطارات؟! ومن ذلك أيضا, الغزل التركي العراقي الذي يواكب تهدئة تركية سورية ظهرت معالمها منذ صعود بشار الأسد في دمشق. ومن غير المستبعد أن تكون واشنطن قد استشعرت الغضب التركي من الغرب عموما. وهو ينكأ جراح الماضي العثماني في كل عواصمه من مدخل القضية الأرمنية. نقول بشكل مباشر, ان القصف الأمريكي البريطاني الأخير هو بمثابة قصف لهذه المستجدات العراقية والعربية والاقليمية. وهو استهدف الفتنة والبغضاء وتجديد الإحن ورش الملح على الجرح العراقي العربي. ولنلاحظ مثلا كيف بدت واشنطن وتابعتها لندن, حريصتان على اذكاء الخلاف العراقي مع الرياض والكويت وذلك بتأكيدهما فور القصف أن طائرتهما انطلقت من قواعد برية. وقد عجلت أنقرة بنفي استخدام اراضيها لهذه العملية أو لغيرها مستقبلا (عقابا لواشنطن ومحازبيها الغربيين لاستهانتهما بها). وكان من المتاح للدولتين المعتديتين الادعاء بأن الطائرات تحركت من الحاملات الرابضة في مياه الخليج. غير أنهما بصمتهما عن ذلك, وجهتا الانظار الى الرياض والكويت, لتكونا محلا للاتهام العراقي والادانة. وهكذا, تواترت الوقائع, وفقا للمخطط الأمريكي الخبيث, فقد هاجت المشاعر العراقية ضد الجوار الكويتي والسعودي. (وربما لحق الدولتين شيء من الغضب الانفعالي الشعبي العربي) وفي أثناء التلاوم المتبادل بين العواصم الثلاث, وقعت الواقعة بحسب افترضت واشنطن وأنصارها. وبدلا من أن تسبق القمة العربية الدورية الأولى بعمان في أواخر مارس, أجواء من التهدئة العامة أو شبه المصالحة العربية, تلبدت هذه الأجواء بالغيوم وازدحمت باللغط. وامعانا في ايقاظ الفتنة, راحت واشنطن وتل أبيب ولندن تضخم المعاني الرمزية لذكرى (الغزو العراقي للكويت) وذكرى تحرير الكويت.. وفي ذلك كله, لم تعبأ واشنطن بمرور الزمن, وتغير قلب الحلفاء العرب وغير العرب, ولا بفضيحة ازدواج المعايير التي تجلت في حالتي العراق وفلسطين, وهي لم تستشر أحدا في قصف بغداد, بما في ذلك الأمم المتحدة التي تتدثر بردائها المهترىء. ستكون واشنطن ومحازبوها أسعد الخلق أن استكمل سيناريو الفتنة الأخير, بتفجير القمة العربية أو الانتباه للعراق والخليج بعيدا عن فلسطين وتقلصات السياسة الاسرائيلية في قلب النظام العربي , أو باستمرار الحملات الاعلامية والسياسية بين يدي الدول العربية, بين من هم مع ومن هم ضد السلوك الأمريكي. أن أفضل مايرد به العرب على مخطط متهافت كهذا, الدأب على سياسة التهدئة الداخلية ولم الشمل وتركيز الأنظار على الخطر الصهيوني في منطقة القلب وعدم الانجرار الى سياسات الغضب والشكوى من الزمن الأمريكي الرديء, والسعي الإيجابي الى أن تكون قمة عمان المقبلة, فاتحة عهد عربي جديد, يخرج فيه النظام العربي وقد تعافي من أمراض نهاية القرن الماضي, بما فيها مرض الوهم بأن (الحل في واشنطن).. فحملة واشنطن الأخيرة, دليل آخر على أن بشائر الوئام العربي يمكن أن تزعج وتقلق, فكيف اذا تحولت البشائر الى برنامج عمل حقيقي. كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة