كل ما يمكن ان يقال عن أرييل شارون وتاريخه وأهدافه وسياساته قيل. حتى بات أطفالنا العرب يعرفون عنه اكثر مما يعرفون عن خالد بن الوليد, أو صلاح الدين الأيوبي, أو جمال عبدالناصر. وكل ما يمكن ان يقال عن الرئيس الأمريكي الجديد, وإدارته, والسياسة الأمريكية في المنطقة, أيضاً قيل. حتى بات المواطن العربي يعرف عن الرئيس الأمريكي ووالده وأمه ووزير خارجيته اكثر مما يعرفه عن الرؤساء العرب ووزرائهم, وتاريخهم. ومع ذلك مازال إعلامنا العربي, وتصريحات مسئولينا, وتحليلاتهم, تغرقنا, ليل نهار, في ذات الاحاديث. وكانت فضائياتنا العربية كريمة إلى ابعد الحدود حين فتحت فضاءاتها على وسعها أمام السياسيين والمحللين الإسرائيليين والأمريكان والبريطانيين ليشرحوا سياساتهم للمواطن العربي, وكأن هؤلاء تنقصهم وسائل الإعلام التي يسوقون منها آراءهم, أو كأن الحركة الصهيونية لا تسيطر على معظم وسائل الإعلام العالمية, ولم تحولها إلى ابواق تردد أكاذيبها. لا اعتقد ان مواطننا العربي في حاجة إلى مزيد من الشروحات والتحليلات للسياستين الأمريكية والإسرائيلية. فهو ان لم يدركها بالفطرة والاحساس. فقد أبلغته اياها, بمنتهى الصراحة والوضوح, الادارتان ذاتهما الأمريكية والإسرائيلية. حين اعلنتا, عن توجهاتهما وأهدافهما في المنطقة قولاً: الأمن والسلام لإسرائيل, مع استمرار احتلالها للأراضي العربية, واغتصاب الحقوق الفلسطينية. والنفط والمصالح الحيوية والاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة العربية, وحماية أمن إسرائيل واستقرارها, وضمان تفوقها على العرب. واتبعتا القول بالفعل, عبر ممارسات يومية علنية في فلسطين والعراق وليبيا ولبنان, هذا فضلاً عن التآمر السري الذي تديره المخابرات المركزية الأمريكية, والموساد, في كل مكان من الوطن العربي. ولو عدنا نصف قرن إلى الوراء, أو حتى إلى بدايات القرن, لوجدنا أنه رغم كل التطورات الاقليمية والدولية طيلة هذه السنوات, فان جوهر السياستين الأمريكية والصهيونية في المنطقة هو نفسه لم يتغير, بغض النظر عن تبدل الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية. في وجود المعسكر الاشتراكي, وبعد غيابه. في ظل الحرب الباردة, أو في زمن الهيمنة الأمريكية. بعد كل هذا الوضوح في مخططات العدو وأهدافه, مازلنا نحن العرب, سياسيين وإعلاميين, نهرب للحديث عن العدو لدرجة الاستغراق الكلي. وليس من تفسير لذلك الا لتجنب الحديث عن أنفسنا, عن اخطائنا وخطايانا, عن ضعفنا وانقساماتنا, عن التفريط بثرواتنا وطاقاتنا. عن اهدارها على المنافع الشخصية, او التسليم بها للعدو حفاظاً على كياناتنا. نفعل ذلك جبنا عن تسمية الأمور بمسمياتها, وتحديد المسئولين عنها, أو نفاقاً لهؤلاء المسئولين. وامعاناً في الهروب, نضع مسئولية ما اصابنا وما سيصيبنا على عاتق العوامل الخارجية الممثلة بأعدائنا, معفين أنفسنا من اية مسئولية, ومسقطين كل رهاناتنا على عاملنا الذاتي. بل ان من يدقق في السياسات العربية يلحظ انها لا تكتفي بتحميل مسئولية واقعنا إلى العوامل والقوى الخارجية, بل هي تراهن على هذه الاطراف لايجاد حل لمشاكلنا. ولذلك يتعلق بعض العرب بالإدارة الأمريكية تارة, وبالحكومة الإسرائيلية تارة اخرى, وبالتوجه لأوروبا ــ على قلة حيلتها ــ تارة ثالثة لتخليصنا مما نحن فيه. وقد بدا ذلك واضحاً في الاوهام التي علقت, ومازالت, على زيارة وزير الخارجية الأمريكية للمنطقة, والطلبات التي قدمت اليه لايجاد مخرج لحكوماتنا من الحرج الذي تتخبط فيه نتيجة العدوان الأمريكي على العراق, أو الحرج الآخر مما تفعله الحكومة الإسرائيلية مع الفلسطينيين, ولم يردعهم عن التشبث بمواقفهم, حتى الآن, ما أكده لهم الوزير الأمريكي من ثبات سياسة بلاده تجاه العراق, وتجاه دعم إسرائيل. هذا الثبات في السياستين الأمريكية والصهيونية على مدى عقود من الزمن, لم يدفع العرب إلى عقد مقارنة بين هاتين السياستين الثابتتين, وأهدافهما, وبين الأهداف العربية المتراجعة طيلة المراحل الزمنية ذاتها. فبالنسبة لفلسطين أعلنا تحريرها كاملة هدفاً لنا, وتراجعنا إلى تحرير ما احتل منها عام 1967, وانتهينا إلى عدم القدرة على تحرير غزة, بل إلى المطالبة بالسماح لأهلها بالتنقل فقط, أو الخروج من بيوتهم, أو ادخال لقمة الخبز لأطفالهم. ومن مطالع القرن الماضي رفعنا شعار الوحدة العربية, وأعلنا الثورة على الحكم العثماني من اجل الاستقلال العربي, وعندما جاء منتصف القرن وجدنا أنفسنا سبع دول, ولم يبلغ القرن نهايته حتى صرنا اثنتين وعشرين دولة, ولا يعلم الا الله, كم عدداً من الدول أو الدويلات يخبئها لنا القرن الجديد. هذا التراجع في الأهداف, وفي السياسات العربية أمام ثبات الأهداف والسياسات الأمريكية والصهيونية, هو الأولى بالتركيز عليه, وتحليله, والتعمق في الخلل الذي قادنا إليه, وهو خلل يكمن في تركيبتنا السياسية والحزبية, وفي بنيتنا التربوية والثقافية, وتلك هي مسئولية إعلاميينا ومثقفينا وسياسيينا, بدلا من الاستغراق في وصف رغبات أرييل شارون, أو أعضاء حكومته. كاتب فلسطيني