إنه بحق موعد مع التاريخ. موعد مختلف عن القمم الماضية من منظور اللحظة التاريخية الراهنة التي يعيشها العرب. أول قمة مبرمجة ضمن أجندة ثابتة وضعتنا نحن العرب في خانة أخرى, خانة الأمم المتحضرة التي (مأسست) تضامنها مثل أمة الاتحاد الأوروبي, ولم نعد أمة مزاج. بهذه القمة ندخل عصر مؤسسة الوحدة العربية الحقيقية أي التي يجتمع قادتها مرة في كل عام. وهي كذلك قمة خطيرة لأنها ستنظر في قضايا خطيرة. ووجه الخطر فرضته علينا أحداث ساخنة ومتسارعة بالرغم منا. فإسرائيل غيرت بالديمقراطية رئيس حكومتها وهو من هو... لكنه سارع الى تأليف حكومة جبهة اسرائيلية تبدو متماسكة وقوية ــ من منظورهم ــ لمواجهة ثورة فلسطينية عارمة هي أيضاً متماسكة وقوية من منظورنا وهي مستمرة منذ 28 سبتمبر 2000, ومتصاعدة ومتحدية وصامدة رغم القمع والاغتيال وتفجير البيوت وقتل المناضلين والأطفال. هذا هو المشهد الذي سترسمه الاحداث أمام زعمائنا. وهو مشهد خطير لأنهم سيجدون أنفسهم بإزاء شعب محاصر تقوم اسرائيل بتجويعه وقتله اقتصادياً وعسكرياً من أجل تركيعه. وهذا الشعب المضطهد المظلوم المقاوم هو أمانة في رقاب زعمائنا. وقد أعلن الفلسطينيون أنهم لم يصلهم إلا مئتين وواحد وتسعين مليون دولار من المليارات العربية الموعودة وهذه في حد ذاتها مأساة عربية. مأساة ان يجتمع قادتنا ويقررون دعم الانتفاضة ودعم الأقصى ثم يختلفون في متاهات وجزئيات من يستلم المبالغ؟ ومن يوزع المبالغ؟ وظلت الوعود غير موفاة وأودعت المبالغ القليلة الحاصلة في أحد المصارف في انتظار آلية لإبلاغها لعائلات الشهداء الأبطال ولا أمل. فقد انتظر أهلنا هناك كثيراً ولم يأت الوعد وتفاقم الخطب وأعلن أبوعمار ان الكارثة على الأبواب. أما الأمر الثالث الخطير المطروح على قمة عمّان, فهو الضرورة القصوى لإعادة النظر في بيت العرب أي جامعة الدول العربية حسبما وعدتنا بذلك قمة شهر أكوبر 2000, فلم يعد ينفع العرب تلك الحجة الواهية المكررة التي طالما اعادها على أسماعنا الأمناء العامون للجامعة والقائلة بأن جامعة العرب صورة صادقة ــ ما أبشع هذا الصدق ــ لحال العرب وهي لا تعدو أن تكون الا مرآة تعكس عجز الحكومات العربية وأمزجة حكامها. وقد كرر هذه الحجة الدكتور عصمت عبدالمجيد, ولكن يبدو ان السيد عمرو موسى غير مقتنع بهذا (القضاء والقدر) وما هو بقضاء ولا قدر! فجامعة الدول العربية تحولت الى هيكل عظمي لديناصور غابر كان في عز قوته وسطوته وأصبح رسمه على الصخور يجلب السياح وعلماء الآثار. فقد أصيب هيكل الجامعة بما أسميه تصلب الشرايين. ولعل السيد عمرو موسى الذي نحبه جميعاً سيوفق في تفعيل ذلك الجسم بإصلاحات جوهرية وجذرية تجعله يأخذ المبادرات لا يصدر الاحتجاجات وتجعله مؤسسة فاعلة لا شبحاً هلامياً. وتحوله الى مختبر حي, الى خلية نحل نشيطة بعملها اليومي الدؤوب لا أن تكون قسماً عملاقاً للأرشيف (يؤرشف) فيه جيش من الموظفين أكواماً من بيانات الاستنكار وأوراق التنديد ووثائق الشجب ورسائل الإدانة... تلك الأدبيات التي لم تحرك ساكناً لدى الأعداء وجعلتنا أضحوكة الأصدقاء. كما أننا بانتظار ان نرى إعادة كتابة وصياغة لميثاق الدفاع المشترك والسوق العربية المشتركة وآليات المصالحة والمصارحة. إن السيد عمرو موسى رجل موهوب ومقتدر وأمين, وقد كرمه الخيال الشعبي العربي من خلال أغنية بسيطة وصادقة غناها رجل (مكوجي) هو شعبان عبدالرحيم: أنا بأكره إسرائيل وأحب عمرو موسى. هذا هو نبض الشعب وسيكون عمرو موسى أهلاً لثقة الشعب العربي فيه. فهو الرجل الذي توفق الى دبلوماسية مصرية جمعت بين الحفاظ على مصالح مصر وصداقاتها ومعاهداتها وبين الحفاظ على عروبتها ورسالتها النضالية الرائدة... ولا بُدّ أن يتواصل جهد الرجل بذكائه النادر في نفخ الروح بجامعة الدول العربية. إن قمة عمّان موعدنا العربي مع التاريخ فلا تخلفوه أيها الزعماء... إن ثلاثمئة مليون عربي يراقبوكم ويرجون خيراً ونصراً ومجداً وكبرياء من لقائكم المرتقب.