في زيارة لي الى القاهرة أثناء انعقاد المؤتمر العام لمنظمة المدن الاسلامية, تعرفت مرة اخرى على هذه المدينة الكبيرة التي تعد من أقدم وأكبر المدن العربية والأولى بينها من حيث عدد السكان اذ وصل عدد سكان القاهرة حالياً الى حوالي 16 مليون نسمة في النهار, وبها أول مسجد في افريقيا وهو مسجد عمرو بن العاص ويبلغ اجمالي مساجدها حوالي 50 ألف مسجد كما يوجد بها واحدة من أقدم الجامعات في العالم العربي وهي جامعة الأزهر الشريف, والقاهرة بلا شك مدينة الثقافة والعلوم ومركز الاشعاع الثقافي العربي, اضافة الى انها عاصمة الفنون العربية بمختلف مجالاتها وبها دار الأوبرا الوحيدة في الدول العربية ويبلغ عدد مسارحها حوالي 55 مسرحاً ولا خلاف على انها عماد من اعمدة الدول الإسلامية. واذا ما قارنا القاهرة اليوم بالقاهرة منذ سنوات مضت نلاحظ انها تطورت واضافت الى بنيتها الأساسية اركاناً جديدة لكن ليس الى الحد الذي يرفع من مستواها والاحصائية الرسمية تقول انه تم صرف حوالي 36 مليار جنيه على تحديث البنية الأساسية للمدينة في العشرين عاماً الماضية, وهذا بلا شك مبلغ كبير لكنه يظل قطرة في بحر مدينة كالقاهرة تسعى الى رفع مستوى خدماتها لتساير المدن العصرية, مع انه من يزر القاهرة اليوم يدرك الفرق الشاسع بين ما كانت عليه وما أصبحت به الآن, فلقد انشئت فنادق راقية تضاهي فنادق المدن المتقدمة وتواكب التنمية والتطور اللذين تشهدهما المنطقة بل ربما سبقتها في ذلك. كما تم التركيز على تشجير المدينة, واضافة لمسات خضراء داخلها, اما بالنسبة للتوسعات في مجال الطرق وأنظمة المرور فكلنا يعرف انه يوجد بالقاهرة أطول جسر في الوطن العربي وهو جسر 6 اكتوبر او كما يقول اخواننا في مصر (كوبري 6 اكتوبر). ورغم ذلك تظل هناك امور لا يمكن حلها بين ليلة وضحاها, او حتى في ظرف عشرين سنة, لأن مدينة كالقاهرة تتوسع وتتشعب مع ازدياد عدد السكان من جهة, ومع عدم تقيد بعض المواطنين المصريين او القاهريين بالانظمة والقوانين من جهة اخرى سواء كان ذلك بحسن نية او بسوئها, وعندما نقول البعض قد يكون هذا البعض مليون شخص من اجمالي سكان القاهرة لأنها مدينة بحجم عدد من الدول, والمعروف ان هناك دولاً يقل عدد سكانها عن عدد سكان مدينة القاهرة مع ذلك تجد احياناً سوء التنظيم والتخطيط في مدنها اكثر منه في القاهرة, ومن اهم المشاكل التي تواجه المدن الكبيرة, وعلى رأسها القاهرة مشكلة البناء العشوائي. كما شهدت القاهرة تطوراً ملحوظاً في شبكة المواصلات, فعلى سبيل المثال تعتبر القاهرة أول مدينة عربية وافريقية انشئ فيها مترو الأنفاق كما قطعت شوطاً لا بأس به من اجل تحسين ونظافة البيئة, حيث ان السلطات المسئولة قامت بمنع استخدام الديزل في المواصلات العامة والتي يصل عددها الى 55 الف باص وتم استبداله بالغاز الطبيعي, كما تم تشجيع اصحاب سيارات الأجرة على استعمال الغاز وذلك بتقديم تسهيلات مالية لهم, ولكن مع ذلك ما زالت آثار التلوث ظاهرة داخل المدينة وبصورة ملفتة خصوصاً على المباني الأثرية القديمة ذات الطابع المعماري الجميل والتي تحتاج الى اهتمام اكثر. مع هذا مهما حاول المسئولون تغيير وادخال تحسينات هنا وهناك لابد وان يظهر خلل في مواقع اخرى في مدينة بهذا الحجم. ومن اهم الأمور التي لا يمكن تغييرها الا مع مرور الزمن هي سلوكيات الانسان وتصرفاته اليومية وهذا في اعتقادي من اهم الاسباب والعقبات التي تعيق التطور في اية مدينة لأن الانسان هو المستخدم والمستفيد الأول للبنية الأساسية, فتصرفاته هي التي تعكس صورة المدينة وتؤدي الى نتيجة سلبية او ايجابية, فمثلاً نظافة القاهرة ونظام المرور فيها مع كل جهد بذل في سبيل تحسينهما ومع كل التغيرات والتعديلات التي طرأت عليهما الا ان المشاكل مع بعض المستخدمين تزداد يوماً بعد يوم لعدم التقيد بأنظمة المرور من جهة وعدم الاهتمام بنظافة المدينة من جهة اخرى. وأخيراً ان سوء سلوك البعض قد يضر بالكل ويعطي صورة خاطئة عن المدينة... هذه هي القاهرة التي تظل جميلة.. انها أم الدنيا!