لا أفهم لماذا يسعى الرئيس عرفات الى الالتقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد الجنرال أرييل شارون ما لم يكن أبوعمار قد وطّن نفسه على تصفية الانتفاضة. قبل تسلم منصبه وبعد تسلمه أعلن شارون أن أجندته تتكون من بند واحد فقط لا ثاني له: قمع المقاومة الفلسطينية نهائياً. وإذا كان الجنرال قد استخدم عبارات مغلفة مثل (اعادة الهدوء) و(ووضع نهاية للعنف الفلسطيني) فإن هذا لا يعني بحال من الأحوال ان رسالته ليست واضحة. وباستثناء الزعيم الليكودي الأسبق اسحاق شامير فإن أرييل شارون لا يعدله في الصراحة و(صدق) النوايا تجاه الفلسطينيين أي رئيس حكومة اسرائيلية سابق عليه بمن في ذلك بنيامين نتانياهو. إن الجنرال شارون إذ يعد العدة لاستكمال العزل الكامل للمدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض وعن المستوطنات والرقعة الأرضية الاسرائيلية تمهيداً لعملية إبادة منظمة للفلسطينيين فإنه, لكي يكون منطقياً مع هدفه, يرفض مبدأ التفاوض مع الطرف الآخر فلا يرى في أي لقاء تفاوضي إلا وسيلة لخدمة هدف تصفية الانتفاضة. فلماذا إذن يحرص عرفات على تحقيق لقاء له مع زعيم اسرائيلي بمثل هذه النوايا المعلنة؟ وفي رسالة بعثها شارون الى عرفات ردا على تهنئة الرئيس الفلسطيني له بمناسبة تسلمه رئاسة الحكومة عبّر الحاكم الاسرائيلي عن أمله في اجراء (اتصالات) مع الرئيس الفلسطيني. لماذا؟ (.. لوضع حد لدوامة العنف وإطلاق التعاون في المجالين الاقتصادي والأمني تمهيداً للتوصل الى سلام حقيقي). وإذا ترجمنا هذه الفقرة بألفاظ بسيطة فإنها تعني الآتي: (وضع حد لدوامة العنف)... يعني قمع الانتفاضة. (التعاون الاقتصادي): يعني فك الحصار الاسرائيلي المضروب على المناطق الفلسطينية كمكافأة للفلسطينيين إذا وضعوا حداً لـ (دوامة العنف). (التعاون الأمني): يعني أن تستأنف اجهزة الأمن الفلسطينية عملية تزويد الأجهزة الأمنية الاسرائيلية بما لديها من معلومات استخباراتية عن الناشطين الفلسطينيين, جماعات كانوا أم أفراداً, وملاحقة هؤلاء الناشطين, خاصة المنتمين الى تنظيمي (حماس) و(الجهاد) واعتقالهم لآماد غير محدودة. ولشرح مرامي رسالة شارون بصورة أكثر وضوحاً قال مستشاره رعنان غيسين إنه لو حدث لقاء بين الزعيمين الفلسطيني والاسرائيلي فإنه (لن يمثل إطلاقاً لمسار مفاوضات السلام بل سوف يكرس لسبل التوصل لإقرار الهدوء على الأرض). أي كيفية كبح جماح المقاومة الفلسطينية وإيداعها ذمة التاريخ. وكأن غيسين حرص على ايضاح أكثر حتى لا يكون لدى الجانب الفلسطيني أي شكوك بشأن ما يعتزم شارون الاقدام عليه فأردف قائلاً: (للعودة الى المفاوضات لابد قبل ذلك من وقف العنف الفلسطيني). ماذا نجد في المقابل؟ إن عرفات يعلن ويكرر رغبته في استئناف المفاوضات رغم كل هذه التوضيحات الشارونية التي لا تترك أي هامش للتأويل. وهذا عجيب. إن شارون يهيىء نفسه الآن لارتكاب مجزرة داخل الأرض الفلسطينية لتكون صورة مكبرة لصبرا وشاتيلا. وإزاء موقف كهذا فإن المطلوب من عرفات هو أولاً مواجهة نفسه وشعبه بالحقيقة, وثانياً مواجهة الحكومات العربية وهي موشكة على لقاء القمة في عمان ليقول للجميع إنه في مواجهة خيار بين الاستسلام الكامل والتصعيد النضالي المسلح, فإن تصفية الانتفاضة أمر غير وارد على الاطلاق.