كان لعيد الأضحى هذا العام مذاق آخر في البحرين, فقد ترافق مع حملة الاصلاحات الجريئة والمفاجئة التي قادها أمير البلاد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة, فقد احتفل البحرينيون بالعيد ربما لأول مرة منذ سنوات طويلة بهذا القدر من الفرح والتفاؤل, وكان الأمير وإصلاحاته حاضراً بقوة في الأجواء كما في أحاديث الناس ومجالسهم. وبات من المألوف ان ترى صورة الأمير وولي عهده الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة, حيثما ذهبت, في المنازل والطرقات وعلى زجاج السيارات, وسواء في أوساط الناس العاديين أو المعارضين على اختلاف انتماءاتهم وأفكارهم. وهي ظاهرة جديدة وشيء نادر الحدوث في بلد مثل البحرين عرف طوال تاريخه الحديث حالات من التصادم العنيف بين فئات وتيارات مختلفة في المجتمع وبين الحكومة التي هي تعبير مادي ومعنوي مكثف عن العائلة الحاكمة. لكن الاجراءات الاصلاحية التي اتخذها أمير البلاد والطريقة التي تصرف بها مع مطالب الناس (شارعا ومعارضة) في غضون اقل من شهر (منذ الاستفتاء على الميثاق الوطني في 14 و15 فبراير الماضي وحتى اليوم) قد أذابت جبال الجليد التي تراكمت على مدى عقود في الساحة البحرينية. ولا يزال الكثيرون غير مصدقين, من هول ما مر عليهم, ان سجون البحرين قد خلت من المعتقلين السياسيين وأن المنفيين قد عادوا الى بلادهم بعد سنوات طويلة من الغربة والنفي. ويبلغ عدد هؤلاء وأولئك حوالي 900 شخص من بين عدد السكان البحرينيين البالغ حوالي 400 ألف نسمة. وأكثر من هذا أعطى الأمير تعهدات وتأكيدات واضحة ومكتوبة, بأن دستور البلاد سيظل هو المرجع الأول بين الحاكم والمحكومين, وان الميثاق هو امتداد للدستور وليس بديلاً عنه. وفي حالة نشوء تعارض بينهما فإن كفة الدستور هي المرجحة. كما كان لجولات الأمير في عدد من قرى ومناطق البلاد (سترة والمحرق) أثراً عظيماً في نفوس جميع المواطنين. وجاء قرار إلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة السيىء الصيت, ليعطي دفعة واسعة من المصداقية والدعم الأكيد لمشروع الميثاق الوطني والاصلاحات بصورة عامة. في حين أن ولي العهد الذي جال على بعض النوادي والجمعيات المهنية وتحدث للمواطنين عن قرب وبشفافية غير مسبوقة, تمكن هو الآخر من انتزاع اعجاب وثقة الناس به. فالكثيرون لا يزالون مبهورين بكلامه, الذي قاله في نادي الخريجين وجمعية المحامين البحرينية من قبيل انه لا يجب السماح باستمرار تسلط الاجانب على رقاب البحرينيين. وانه هو شخصياً قد ملّ الوجوه القديمة في الحكم وليس الناس فحسب. لقد ساهمت هذه الأجواء والانفتاح الكبير في خلق واقع سياسي جديد أحس من خلاله البحرينيون بأن ثمة صفحة جديدة تفتح في تاريخ البلاد, وأنهم مدعوون للمشاركة فيها عبر التعبير عن آرائهم والإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع. لكن هذه التطورات الايجابية رغم الترحيب الحافل بها, لم تنجح مع ذلك فيما يبدو في اجلاء جميع جوانب الصورة وهي ابقت على بعض التساؤلات التي تدور في اذهان الناس. كما لم تبدد كليا المخاوف والهواجس من الارتداد والنكوص. من هذه التساؤلات مثلا: ما هو مصير القوى التي تضررت من الاصلاحات, سيما ان هذه القوى وبحكم وضعها في الفترة الماضية, تملك امكانيات وأدوات ضخمة تستطيع من خلالها التأثير في مجرى الأحداث؟ فحتى الآن لم يتم اتخاذ أي خطوة باتجاهها, سواء لجهة تحجيمها والحد من سطوتها, أو لجهة دمجها في المشروع الاصلاحي نفسه. إن المواطنين يعلمون بالطبع أنه ليس كل ما يتطلعون اليه ويرغبون فيه من تطوير وتحديث في بلادهم سوف يتحقق بين عشية وضحاها, فحجم التدمير والتخريب الذي حدث للحياة السياسية كبير وممتد على مدى أكثر من ثلاثين عاماً. كما ان القوى المتضررة مما يجري لا تزال قوية ومتنفذة وهي لن تقف مكتوفة الأيدي. لكن من الضروري مع ذلك اتخاذ بعض الخطوات العملية في هذا الصدد كي يصار الى نشر الثقة والطمأنينة في نفوس الجميع. فهذا ليس ضرورياً فحسب لأن الناس تتطلع إليه وتريده, وانما هو ضروري ايضاً لضمان استمرار ونجاح عملية الاصلاح نفسها التي طرحها الأمير وولي عهده. فلا يمكن الحديث عن بناء مشروع جديد بأدوات قديمة. وعلى رأس هذه الأدوات البالية التي ينبغي أن يطالها التغيير الجهازان الأمني والإعلامي في البلاد. كاتب بحريني