ما كاد عبدالناصر يغادر الدنيا, حتى عاد الشيوعيون المصريون خلال عامي 1970 و1971 الى تأسيس حلقات ماركسية, ما لبثت ان تحولت الى منظمات, لكن التيار الماركسي المستقل واصل ــ مع ذلك ــ نشاطه داخل اطار (الاتحاد الاشتراكي), وواصل اصدار منبره (الطليعة) التي استفادت من الانفراجة الديمقراطية النسبية التي اشاعها السادات في بداية عهده, في توسيع هامش الحرية المتاح امامها, وبلورة موقف اكثر استقلالية عن سياسات النظام, لكنها ظلت ــ على وجه العموم ــ في اطار الرؤية الناصرية. ولم تخل هذه المرحلة من صدامات, كان من ابرزها ان القوائم التي اصدرتها لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي العربي, في 9 فبراير 1973 وفي اعقاب الحركة الطلابية وصدور بيان (توفيق الحكيم) المؤيد لها, كانت قد شملت لطفي الخولي الذي لعب دورا مهما في صدور البيان, فأبعد عن (الاهرام) وعن رئاسة تحرير (الطليعة) واسقطت عضويته في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ومسئوليته عن لجنة العلاقات الخارجية. ومع ان العلاقة بينه وبين السادات كانت قد عادت الى سابق عهدها في بداية عام ,1974 الا انها لم تخل من توترات, وما لبثت ان انقطعت نهائيا منذ بداية عام ,1976 والى حين اغلاق (الطليعة) في فبراير 1977. ومن الصعوبة ان نقوم سياسة الاستيعاب المتبادل التي اخذ بها الماركسيون المستقلون, من دون النظر الى اعتبار سياسي, هو انها كانت بمثابة اختيار اجباري, لأن النظام الناصري كان قد سد سبل العمل الحزبي المنظم أمام كل القوى السياسية, كما كان قد سحب البساط من تحت اقدام كل التيارات الماركسية بما حققه من انجازات. والذي لا شك فيه ان سياسة الاستيعاب قد حققت للنظام الناصري فوائد عظمى. فقد أضفى الناصريون على النظام نوعا من الرصانة الايديولوجية كان يفتقدها, وكانت (الطليعة) هي أول من اطلقت على عبدالناصر صفة (المناضل) وأول من نحت مصطلح (التطبيق العربي للاشتراكية) في مواجهة مصطلح (الاشتراكية العربية) الذي كان يهدف الى تفريغ الاشتراكية من كل محتوى, فضلا عن انها اتاحت الفرصة لشيوع بقية مصطلحات القاموس الماركسي في التنظيمات والمنظمات الناصرية, في مجالات الاعلام والثقافة والسياسة. لكن تأثيرها الأكبر, كان في تلميع صورة عبدالناصر الدولية, اذ اتاحت له ايجاد لغة مشتركة مع الاتحاد السوفييتي ومع القوى التقدمية في مختلف انحاء العالم, ولم يقتصر الامر على ما كانت تنشره (الطليعة) بل تعداه الى قيامها باستضافة شخصيات عالمية ذات ثقل مثل سارتر وجارودي ورودنسون وجيفارا... الخ, والى اشتراك الماركسيين المصريين ــ وفي مقدمتهم لطفي الخولي ــ في الوفود الشعبية التي تزور أو تستقبل وفودا من الاحزاب الاشتراكية واليسارية في اوروبا الغربية, وفي افريقيا وفي الوطن العربي. ومن المنطقي تماما ان تكون العلاقة بين النظام الناصري ــ في الحقبتين الناصرية والساداتية ــ وبين الاتحاد السوفييتي, عاملا رئيسيا في تحديد موقف الشيوعيين المصريين من عبدالناصر, وفي تحديد طبيعة علاقته بهم, وأن يكون قانون التناسب الطردي هو الذي يحكم العلاقة بين الاطراف الثلاثة. وهكذا ظلت العلاقة بين عبدالناصر والشيوعيين المصريين رهينة لعبة الامم في عصر الحرب الباردة, اذ كان كلاهما ــ بحكم ظروف النشأة والتكوين ــ عاجزا عن انشاء علاقة مختلفة, لم يكن لدى عبدالناصر اية رغبة في ان يسمح لأية قوة سياسية بالتواجد على الساحة المصرية أو حتى العربية, ولم يكن للشيوعيين المصريين نفوذ جماهيري يستطيعون به اجباره على الاعتراف بهم أو التحالف معهم. وربما لهذا السبب كان محتما ان تختفي (الطليعة) مع تواصل التدهور في العلاقات بين الاتحاد السوفييتي وبين نظام السادات الذي تواكب معه تدهور مماثل في العلاقة بينه وبين اليسار المصري, وكان التفكير في اغلاقها سابقا على حدوثه بحوالي ثلاثة اعوام, وفي اعقاب اقالة محمد حسنين هيكل ــ الراعي الرسمي لتيار الماركسيين المستقلين ــ من رئاسة تحرير (الاهرام) في بداية عام 1974. ولأن السادات ــ كما يقول أحمد بهاء الدين ــ كان يفضل الا يخوض بعض المعارك بنفسه, بل بوسائل اخرى, من بينها دفع آخرين للتحرش بالهدف المقصود, فإنه لم يكن يريد اصدار قرار صريح بإغلاق (الطليعة) بل كان يسعى لدفع حلفاء هيكل في (الاهرام) للقيام بهذا الدور, سواء بالتضييق عليها, أو تطفيش محرريها, وفشل محاولة علي أمين ــ أول خلفاء هيكل في (الاهرام) ــ في تنفيذ هذه الخطة, بسبب اشتعال حركة المقاومة التي كان محررو (الاهرام) يخوضونها ضده. ورفض احمد بهاء الدين ــ الذي حل محل علي أمين في عام 1975 ــ ان يستجيب لضغوط السادات المباشرة وغير المباشرة بإغلاق (الطليعة). ويضيف بهاء ان احسان عبدالقدوس ــ الذي خلفه في عام 1976 في رئاسة تحرير (الاهرام) تعرض لنفس الضغط وقاومه., حتى جاء خلفه يوسف السباعي, فاستجاب لضغوط السادات, ونفذ له ما يريده, وأثار منازعات شكلية مع (الطليعة) انتهت بتحويلها الى مجلة (الشباب والعلوم). وقد يبدو لافتا للنظر, ان (الطليعة) لم تطالب في اعقاب هزيمة 1967 بنوع من التعدد السياسي, حتى في اطار النظام نفسه, وهي فكرة كان جمال عبدالناصر, هو صاحبها, في سياق تقييمه لأسباب الهزيمة, وضيقه بعجز الاتحاد الاشتراكي, فاقترح الاخذ بنظام الحزبين اللذين ينشطان في اطار الالتزام بالثورة, ودعوة عبداللطيف البغدادي وكمال الدين حسين لتشكيل حزب معارض باعتبارهما ملتزمين بالثورة, ومعارضين للاتحاد الاشتراكي.. كما ان (الطليعة) لم تنضم الى الاصوات التي دعت عام ,1974 وفي اعقاب اعلان ورقة اغسطس, التي اقترحت السماح بقيام المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي, بضرورة الاخذ بصيغة التعددية الحزبية, ودعمت الفكرة في حدود تنويع الآراء داخل الاتحاد الاشتراكي. وهو نقد وجهه لطفي الخولي بنفسه لــ (الطليعة) في افتتاحية العدد الأول ــ مايو ,1984 من اصدارها الثاني, على شكل كتاب غير دوري لم تصدر منه سوى ثلاثة اعداد, فقد اشار الى ان حداثة التجربة, لم توفر لــ (الطليعة) في اصدارها الأول فرصة كافية للامساك بالقوانين التي تحكم الواقع المصري, وكان من الامثلة التي ضربها دليلا على ما اضافتها (التجربة التاريخية) الى (الطليعة) الحاجة الى ضرورة (نسج وحدة عضوية بين الديمقراطية) السياسية والديمقراطية الاجتماعية في حركات تبادل التأثير والتأثر, اذ (لا بديل عن هذه الوحدة العضوية بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية, حتى لو كان الثمن تباطؤ في معدلات حركة التقدم) ــ وشدد على ان (انتهاك الحرية السياسية يؤدي ــ كما دلت خبرة كل التجارب ــ الى افقاد الجماهير مناعتها ــ وتحويلها الى كم هائل, فيصيب الوهن العلاقة بين الجماهير المنتجة وبين انجازات التقدم لحساب بيروقراطية السلطة والجيوب المعادية الكامنة فيها). وحتى يكون التقييم النهائي لما أدته (الطليعة) منصفا, فلا يجوز له ان يغفل انها اتاحت لليسار الماركسي غير المنظم, فرصة للتأثير لم تتح لأي تنظيم يساري من قبل ــ على الأقل في ظل ثورة يوليو ــ وان دور (المبشر الثوري) الذي حدده عبدالناصر لـ (الطليعة) وامتداداتها في منظمات الاتحاد الاشتراكي, هو الذي لعب الدور الأكبر والأهم في تأسيس جيل اليسار ــ الشباب الذي نشط في اعقاب هزيمة ,1967 وقاد الانتفاضات الطلابية طوال عهد السادات), معارضا لسياساته ولم تكن صدفة ان كثيرين من القادة اليساريين للحركة الطلابية ومن الكادر الجديد الذي اجتذبته المنظمات الشيوعية حين اعادت تأسيس نفسها في بداية السبعينيات, كانوا قد كونوا وعيهم السياسي عبر قراءتهم لــ (الطليعة) التي ظلت اجهزة الامن السياسي على امتداد سنوات صدورها, وحتى بعد اغلاقها, تعتبرها من قرائن الاتهام, في كل قضايا (الشغب) و(التحريض) على التظاهر) وتأسيس وإدارة المنظمات الشيوعية والناصرية. وكنت ومفردات من جيلي ومن الاجيال الحالية, من الناقدين لاجتهادات لطفي الخولي التي لم تتح لنا الظروف فهمها في سياق المجادلات العنيفة والعدوانية بين فصائل اليسار المصري, وفيما بعد, اتيح لي ان اطلع على محضر لأحد اجتماعات الامانة المركزية (المكتب السياسي) الآن لــ (حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) الذي كان لطفي الخولي (احد مؤسسيه), وأحد اعضاء قيادته حتى قبيل رحيله بعامين ــ اتاحت لي التعرف الى المنطق الذي كان ينشط سياسيا انطلاقا منه, على امتداد الحقبة بين عام 1955 وحتى اغلاق (الطليعة) وربما بعد ذلك, والى حين وفاته. وفي هذا الاجتماع المغلق, الذي كان مخصصا لتقييم موقف (حزب التجمع) في اعقاب فشله في الانتخابات العامة لسنة 1978 كان من رأي الخولي ان اليسار المصري تعرض لحملة دعائية وبوليسية مكثفة منذ نشأته على الخريطة السياسية المصرية اثرت في قدرته على الحركة الطليعية بين الجماهير بل وصادرت عمليا هذه الحركة على الرغم من انه كان موضوعيا ــ وبصرف النظر عن بعض الاخطاء أو الشطط ــ الاكثر تعبيرا والاصلب عودا والاوفر تضحية في الدفاع عن مصالح الشعب والوطن من اي تيار آخر. وفي تحليله للخلاف بين فصائل اليسار حول التكتيك الملائم للحركة في ظرف مصر, قال انه كان امام اليسار دائما اختياران. الأول: ان يدعو للصدام مع السلطة القائمة ويقاطعها, ويسعى للضغط عليها من اسفل بالالتحام بالجماهير الشعبية وتحريكها. والثاني: ان يحاول التأثير في هذه السلطة ودفعها الى مواقف اكثر اعتدالا وأكثر ديمقراطية. وفي تقييمه للتكتيك الأول قال انه كان يوصي دائما بالسلطة القائمة الى مزيد من التحالف من اليمين, ومزيد من حصار اليسار, بما يقلل من فرض تأثيره في الجماهير, ويحول دون استعانته بها في الضغط على السلطة, خاصة في بلد لم تتجذر فيه بعض تقاليد العمل الديمقراطي, ويتسم الرأي العام فيه بعدم النضج وبالضعف الشديد. وفي تقييمه للاختيار الثاني قال انه يتضمن مخاطرة ذوبان اليسار في السلطة القائمة على نحو قد يفقده استقلاليته, ويفقده بالتالي كل امل في ان يجتذب الجماهير الى صفه. وانتهى لطفي الخولي من ذلك الى القول بأن على اليسار ان يزن قوته الحقيقية بموضوعية, من دون مبالغة فيها او تهوين من شأنها وأن يتصرف على اساس الوزن الحقيقي لقوته, وبطريقة تهدف الى تنمية هذه القوة وتوسيع نطاقها, وتحول دون استفزاز الآخرين, بما يدفعهم لمحاصرته واضعافه, وهو ما كان يعني في رأيه, ان عليه ان يتجه في البداية, نحو التأثير في القمة من دون تفريط في استقلاله بهدف كسر عزلته, وتخفيف القيود التي تحيط بحركته, واضفاء مزيد من المشروعية على هذه الحركة, بما يمكنه من انشاء قواعد جماهيرية راسخة, تمنحه ما يستحقه من مكانة وتأثير. تلك رؤية كانت دائما موضع جدل ومثار خلاف شديد بين لطفي الخولي وبين جيله من اليساريين, وبينه وبين الجيل التالي له, لم يخل من التباس في الفهم, بعضه طبيعي, وأكثره مصنوع, ولكننا لا نستطيع ان نقيمها تقييما صحيحا من دون ان نضعها في سياقها التاريخي, الذي يضيف الى ما سبق ان رصدناه, حقيقة لا يجوز اغفالها هي ان الانتجنسيا المصرية, عرفت هذا التيار من المثقفين الذين نشطوا داخل المؤسسة طوال الوقت او بعضه, وسعوا الى تغييرها وترشيدها من الداخل مع احتفاظهم بمسافة بينهم وبينها, وهو ما مكنهم من خدمة التقدم في عدد كبير من المجالات بل وتهيأة الاوضاع التي مكنت الشعب من الثورة على تلك المؤسسة حين استكملت الظروف الموضوعية لنشوبها. وسواء اختلفنا مع اختيار لطفي الخولي او اتفقنا فإن احدا لا يستطيع ان ينكر عليه انه كان واحدا من اهم المثقفين المصرين والعرب الذين لعبوا دورا مؤثرا في النصف الثاني من القرن العشرين, كما ان احدا لا يستطيع ان ينكر عليه شجاعته وجرأته واستعداده للتضحية, وصلابته التي تعز على كثيرين ممن كانوا يزايدون على مواقفه, فليس واردا في هذا الصدد ان يتحدث احد عن انتمائه للشعب, وللوطن, وللأمة, حتى ولو بمجرد الاشادة لأن مجرد طرح مسألة كتلك للحديث ليست سوى سخافة! كاتب صحفي مصري