بعد عشر سنوات من العدوان العراقي على الكويت, وبعد ان مرت مياه كثيرة تحت جسر السياسة العربية, فيما يتعلق بالحدث الذي أصبح يُعرف في الأدبيات العربية بـ (حرب الخليج الثانية) بدأ البعض الآن يتحدثون عن النتائج الأخيرة لهذا الحدث ويتناسون أسبابه التي لا يزال بعضها قائماً حتى هذه اللحظة, فأصبح الحديث يدور حول (الحصار) بدلاً من (الاحتلال والعدوان), وكثرت التعليقات على (العقوبات المفروضة من مجلس الأمن) مع التغافل عن (عدم الالتزام بتطبيق القرارات الدولية). ولعل هذا الخلط للأوراق يقف بالمتابع على عتبة مشهد سياسي عربي بالغ التعقيد, خاصة فيما يتعلق بمستقبل العراق في منظومته الإقليمية والعربية. هذا المشهد يمكن أن يأخذ المراقب الى طريقين في قراءة المستقبل ربما لا ثالث لهما: الأول ــ كما يقول البعض ــ أن يعاد تأهيل العراق عربياً ودولياً, كما هو, أي دون تغيير في سياسته المعلنة, وهذا التوجه (الذي يدور في عقول البعض بينما يعلنه الآخرون صراحة) من المستحيل تحقيقه على الأرض, في ظل الظروف التي تفرض نفسها على السياسة الدولية اليوم. والطريق الثاني هو إحداث تغيير جذري في العراق بهدف تجنب تكرار مأساة السنوات العشر الماضية على الصعيدين الداخلي والخارجي. أما الطريق الثالث (وهو غير ممكن بطبيعته) فهو بقاء الحال على ما هي عليه, وهو طريق تنكره كل المؤشرات, لأنه من المستحيل أن يُترك الاستقرار والأمن الإقليميان وكذلك مصير الشعب العراقي, الذي فاقت معاناته كل تصور. من الواضح أن الحظر الذي طُبق على العراق منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي, بآلياته المختلفة التي تمت حتى الآن, لم يعد قادراً على الاستمرار. وقد استطاع العراق أن يحول الحظر إعلامياً إلى حصار. ولم يعد في استطاعة (الحظر) كما هو قائم أو (العقوبات) كما هي مسماة في الأمم المتحدة ــ بذلك المعنى ــ أن تقلل من قدرة العراق على التأثير الإعلامي, بل زاد على ذلك أن أصبحت دبلوماسية جنائز الأطفال هي السائدة في أذهان الكثيرين, مما يثير حفيظة كل متلقٍ لهذه الصور على شاشات تلفزيونات العالم, دون أن يعرف العامة حقائق الأمور. لقد تحول الحظر ــ أو العقوبات ــ الذي قادته الولايات المتحدة بتفويض من الأمم المتحدة إلى (حصار) للشعب العراقي في نظر الكثيرين, إما عن جهل بالحقائق وإما عن تجهيل. وتحول (في نظر البعض) من وسيلة وقائية لكف العراق عن سياسات عدوانية, الى (وسيلة عدوانية) توجه ضد الشعب العراقي. وقد دفع العراق كل قدراته الدعائية باتجاه تضخيم هذا المشهد المغلوط, دون النظر إلى ان الشعب العراقي بكل طوائفه اصبح لا يستطيع ان يتحمل مزيدا من المعاناة من جراء سياسات الحرمان, لقد كان المقياس الغربي السياسي والأخلاقي الذي فرض الحظر يتضمن افتراضاً ضمنياً ألا يحوّل العراق المعاناة ويُسقط تبعاتها على كل قطاعات الشعب, بل يتحملها المسئولون عن السياسة التي قادت إليها كما يفترض. ولكن هذا الافتراض تبين أنه افتراض خاطىء في ظل الثقافة السياسية الشرقية التي ترضى باستخدام الأنظمة كل الوسائل في سبيل البقاء قابضة على رقبة الحكم. أمام هذا التوجه العام بدا في الأشهر الأخيرة من الحكم الديمقراطي في البيت الأبيض, أن هناك مؤشرات تتزايد لتأهيل العراق مرة أخرى إقليمياً وعالمياً, وبدأ في ظل هذا الاسترخاء والحيرة, ما عرف بدبلوماسية الطائرات التي توافدت على مطار بغداد, وكأنها تنذر بأن الهزيع الأخير من سياسة فاشلة يتراجع أمام مصالح جديدة (مطلية) بتعاطف شعبي كبير تظهر ملامحه في الأفق, كما ظهر أن القضية برمتها قضية وقت لا أكثر في ظل تحالفات إقليمية جديدة. بل زاد من ذلك أن قررت بغداد بدورها فرض عقوبات على الآخرين (!!), بتحولها إلى نظام مالي هو (اليورو) أولاً, ثم بفرض عقوبات على دول أخرى ــ منها كندا وغيرها ــ لأسباب سياسية, وفي بعض العواصم العربية بدا ان التسابق للحصول على علاقات اقتصادية مغلفة بأطر سياسية, وهي السياسة التي سادت معظم أشهر العامين 1999 و2000 حتى ظهر أمام المتابع سيناريو يفيد بأن التساؤل لم يعد (هل رفع الحظر مسألة واردة؟) بل أصبح السؤال هو (متى يتم رفع الحظر؟). وأصبحت المراوحة في المكان تمثل ضرراً من جانبين: الأول ضرر بالوضع الداخلي العراقي, لأن الشعب العراقي لم يعد قادراً على ان يتحمل أكثر مما تحمل من عبء الحظر, حيث تساقطت التبعات السلبية لهذا الحظر بكاملها على كاهل الشعب الذي لا حول له ولا قوة. والثاني هو ضرر المراوحة في المكان, والتي تعني من جديد إطلاق صيحات التوتر والرغبة في التوسع التي لم يعد مقبولاً أن تعيش فيها المنطقة إلى ما شاء الله, وهي في حالة توتر دائم, فأي تأهيل, ولو طفيفا سيخلق أزمات جديدة ربما أكثر وأعظم من السابقة. لذا أصبح التفكير يتم بصوت عالٍ الآن, في إيجاد مخرج نهائي لهذه الأزمة التي راوحت لعشر سنوات مضت في شكلها المعروف, وكانت سبباً في سياسات توتر سادت المنطقة قبل ذلك الوقت. وفي الوقت الذي تبادر فيه دول في المنطقة إلى انتهاج مسيرة حضارية وإلى انفراج واسع في مصر واليمن وإيران والخليج, وتعانق الدولة الحديثة شكلاً جديداً من التنظيم المؤسسي والتعددية السياسية والتراضي أمام صناديق الانتخاب, وبناء المؤسسات الحديثة, يتوق الشعب العراقي, أيضاً, إلى ان يساهم في هذا التطور الذي افتقده طويلاً, نابذاً العنف والحروب. ولأن الإنسان يتوقف أمام حقب الزمن مشدوهاً لما يمكن أن تفعله تداعيات الزمن في آليات التطور, وحيث الزمن الإنساني محكوم بقاعدة عدم الاستمرارية الى ما شاء الله, فإن التغير هو سنة الحياة, لذا بعد هذه الحقبة الزمنية العشرية يبدو أن التغيير وارد, لأن المراوحة في المكان مفسدة. ولكن ما الشكل الذي سيكون عليه التغير القادم؟ المؤشرات التي أمامنا تقود الى الاعتقاد أولاً بأنه قد يتوقف التسرب غير المنضبط والعشوائي لبعض خطوات اختراق الحظر, والأدلة على ذلك كثيرة, منها توقف وصول الطائرات ذات المصلحة الخاصة إلى مطار بغداد, ومنها أيضاً تداعي بعض الاتفاقات الاقتصادية التي تمت في الفترة الأخيرة تحت توقع الاستفادة السياسية بالمقايضة الاقتصادية, اصطياداً للمواقف المؤقتة. وتتزامن مع هذا التفكير الجدي سيادة القناعة الدولية بأنه يجب ألا تدفع قطاعات واسعة من الشعب العراقي ثمن هذه العقوبات, وهو ما يفعله العراق, وفعله في معظم سني العشرية الماضية. الواضح أن المجتمع الدولي قرر أن المريض قد دخل مرحلة الخطر, وأن قراراً ملزماً قد اتخذ بإجراء عملية جراحية عاجلة له, إلا أن الأطباء ــ حتى الآن ــ لم يصدر عنهم أي تحديد لنوع هذه العملية الجراحية, ولا الوقت المناسب لإجرائها, وإن كانوا مع ذلك يتأهبون لهذه العملية, فالعواصم الإقليمية المعنية تضج اليوم بالاقتراحات, وتطلق بالونات الاختبار من أكثر من مكان. البعض يتحدث علناً الآن عن توافق إقليمي واضح ومرن يقرر المستقبل لكل المنطقة على قاعدة الحفاظ على الأمن والسلامة لكل شعوبها وإرساء التعايش الأهلي وبناء المؤسسات الحديثة في دول الاقليم, بما في ذلك العراق, وهذا يظهر في أكثر من مكان, تصريحاً أو تلميحاً, سواء العواصم القريبة والمعنية بالأمر مباشرة, أو العواصم البعيدة المعنية بالسلام العالمي. وما الحركة السياسية الدائرة من حولنا اليوم ــ ما بين إقليمية ودولية ــ إلا مؤشر مهم لما يمكن أن يحدث في المنطقة في المستقبل القريب استعداداً للعملية الجراحية المنتظرة, ولعل أهم مؤشر سوف يقود الى التوجه الجديد هو مؤتمر القمة العربي المقبل في العاصمة الأردنية عمّان, والذي يمكن أن يوضع فيه الحد الفاصل بين سياسات قديمة إرضائية وبعيدة عن مواجهة المشكلات الحقيقية, وبين نظام عربي جديد يتحمل مسئولياته ويسمي الأشياء بأسمائها, بعيداً عن المجاملة المرهقة والخطاب العلني الذي يناقضه الفعل الحقيقي. أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ــ الكويت