وما أغرب صروف الدهر وأطوار الحياة. حين نزل أحمد شوقي منفاه في برشلونة الأسبانية, لم يكن يعرفه أحد اللهم إلا رجل واحد من مصر وكان غريب الأطوار والحالات والتصرفات, كان الرجل يعيش سنة كاملة في شح وتقتير, يضن بالدرهم والدانق ــ البيزيتا وهى عملة أسبانيا ــ ثم لا يلبث أن ينفق كل ما أدخره في لحظة واحدة. بعدها ظل الشاعر الكبير يفتش في المنفى الأسبانى عن شخص آخر ينطق بلسان العربية كى يرتاح إليه شوقي أو يتواصل معه في لحظات الضيق بالمنفى والحنين إلى الوطن, والقى القدر في طريقة بعربى آخر من سوريا, كان تاجرا عاش في المهجر وجمع ثروة طائلة وتهيأ معها كى يعود فائزا بالغنيمة التى تعب فيها إلى وطنه الأول في الشام وبين جوانحه تعيش الآمال وتضطرم الأمنيات العذب لكن الحرب العظمى الأولى اندلعت فاحتجزت الرجل في برشلونة وحالت بينه وبين العودة إلى الوطن وكان أن انطلق التاجر السورى المهاجر إلى قضاء وقته في مضاربات مالية اضاعت ثروته كلها ومن ثم قرر أن يظل في المهجر محاولا أن يبدأ من جديد. وهكذا لم يجد شوقي من يرتاح إليه ويأنس إلى صحبته فابن البلد المصرى بخيل طول السنة ومسرف إلى حد الجنون في بضعة أيام. وابن العروبة السورى يكرر قصة الاغريقى سيزيف كلما جمع ثروة أهدرها, وتعين عليه في كل مرة أن يبدأ من جديد, هنالك تلفت الشاعر شوقي من حوله فلم يجد سوى طبيب نمساوى كان يعيش في برشلونة, وكان بدوره شخصية غريبة تصلح لأصل روايات المنافي والمهاجر التى كان يبدعها روائيون من طراز سومرست موم الذى شغف بدوره بأسبانيا قطالونيا والأندلس أو من طراز توماس كونراد وكلاهما عاش حياة المولدين أو المخلطين كما قد نقول, موم ولد في انجلترا ونشأ في فرنسا وتعلم في ألمانيا ثم اشتغل طبيبا وروائيا و جاسوسا في خدمة المخابرات الإنجليزية, أما كونراد فتلخص حياته الغريبة في أنه ولد بولنديا وتربى فرنسيا ولكنه معدود في طليعة الروائيين الإنجليز حيث كتب معظم أعماله الرائعة عن حياة البحر والبحارة وأحيانا عن حياة الأدغال والغابات بكل ما تحفل به من ظلمة وغموض وأسرار. ها هو أحمد شوقي يصاحب دكتوراً آخر مثل الدكتور الجاسوس سومرست موم, رجل بوهيمى كما يقول الدكتور ماهر حسن فهمى لا يحفل بمظاهر ولا يتقيد بموعد بعيادته في برشلونة إلا المدة الكافية لجمع نفقات سهرته, فلسفته تقوم على اقتناص الفرصة, لماذا ؟ لأن الحياة قصيرة, وعلينا ألا نفوت لحظة سرور من لحظاتها تلك هى فلسفة العم بيقور الاغريقى القديم, تلخصها عبارة لاتينية تقول: ( كاربى دييم) وترجمتها أقطف (ثمار ) يومك, ويقاربها قولة عمر الخيام في ترجمة أحمد رامي وشدو أم كلثوم: غد بظهر الغيب واليوم لي وكم يخيب الظن في المقبل ولست بالغافل حتى أرى جمال دنياى, ولا أجتلى هكذا خابت آمال الشاعر المنفي في مصاحبة البشر, ولم يكن أمامه في آخر مراحل منفاه الأندلسى سوى أن يتأبط كتاب (نفح الطيب) للعلامة المغاربى المقرئ وفيه أوصاف مدن الأندلس الزاهرة هكذا وصل شوقي إلى مدينة (قرطبة) في ربيع عام ,1919 دخل المدينة في قطار المساء, طالعته أنفاس عطرة, أزهار البرتقال, كم ظلت المدينة تداعب خيال الشاعر بطيوف تجمع بين رومانسية وجمال الذكريات التى تتناهى إلى الوجدان من قراءات الماضى, يصفها المقرئ قائلا: (قرطبة هى أعظم مدينة بالأندلس وليس بجميع المغرب لها عندى شبيه في كثرة أهل وسعة محل وفسحة أسواق ونظافة محال وعمارة مساجد وكثرة حمامات وفنادق) لكن حين انجلت شمس النهار, روعت نفس أحمد شوقي, فها هى قرطبة اليوم أشبه بقرية عتيقة, سكان قليلون ومسالك ضيقة وحياة أقل من متواضعة كل ما حكاه المقرئ ضاع مع التاريخ واندثر لم يبق سوى صورة الحلم في وجدان الشاعر القادم من أرض النيل, ولا بقي من مساجدها العامرة سوى مسجد واحد مازال شاهدا على مجد مؤثل ضاع وعلى حضارة إسلامية زاهدة اصبحت في خبر كان, طاف بالمسجد وجاشت نفسه عبرات بين الجوانح مالبثت أن تحولت بفضل عبقرية الموهبة إلى لحن شعرى بالغ العذوبة حزين, قال أمير الشعراء عن قرطبة: قرية لا تعد في الأرض, كانت تمسك الأرض أن تميد وترسى ركب الدهر خاطرى في ثراها فأتى ذلك الحمى بعد حدسي سنة من كرى وطيف أمان وصحا القلب من ضلال وهجس و إذا الدار ما بها من أنيس وإذا القوم ما لهم من محس وهكذا أنشد شوقي ولسنا نكتمك قارئنا الكريم أن زيارة قرطبة وطليطلة وأشبيلية وغيرها من حواضر الأندلس الإسلامى كفيلة بأن تثير في نفس زائرها ما سبق واثارته في وجدان شوقي من فيض المشاعر والاحاسيس وقد زرنا هذه الحواضر منذ سنوات بدعوة من نقابة الصحفيين الأسبان, وفيما كان القوم من رفاقنا وفيهم بالطبع غربيون أوروبيون يتأملون اثار الأندلسيات تأمل المعجب أو تأمل المحايد أو حتى تأمل المثقف المؤرخ أو الدارس وأحيانا تأمل المروع المفتون, فقد كان المرء يحس بطعم اللوعة المرير يتغشى الحلق وتكاد تغص به النفس, أنت تجول مع رفاق الرحلة وسط أعمدة الخير الدار, البرج, الدوار, في أشبيلية أنهم يتأملون متانة البناء ورشاقة المعمار ولكنك تنتحى منهم ركنا قصيا, وقد فاضت النفس الداخلية بالعبرات, ها هنا كانت تتلا آيات القرآن, ها هنا كانت منابر تأخذ من فوقها العهود وتصدر الأحكام, ها هنا كانت ساحات للعلم, والفتوى, ومطارح للنثر المعجب والشعر الجميل في ذلك العصر كانت البعثات تفد إلى أرض الأندلس يروم طلابها القادمون من كل أنحاء أوروبا تعلم العربية أو كانت لغة عالمية لأنها كانت لغة العلم والفكر والفلسفة, لغة الحضارة لنغوافرانكا كما يقولون. لا أكتمك أن كان لنا مرافقة مرشدة جميلة كانت تستعرض الوقائع والتواريخ عن فهم وعلم, وحين وصلنا إلى مشارف غرناطة. اقتربت من مقعدى في الحافلة الصغيرة لتقول فيما يشبه همس الاعتذار سنيور.. لعلك تريد أن تعرف أن هذا الموقع المغطى بخضرة الحقول اسمه ( سانتافي) وعنده سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة إلى ملوك الأسبان, ولست أدرى ما شكل التعبير الذى ارتسم على وجه الزائر العربى في تلك اللحظة, والذى أدريه أنها لمحت التعبير فسارعت قائلة: سنيور.. أنا آسفة. والذى لم تعرفه الاسبانية الجميلة أن كان الزائر الغريب يتمثل آخر مواكب العز في الأندلس, ويستعيد ذكرى اللوحة التى طالعها الشاعر أحمد شوقي في فندق (واشنطن ابرفنج) في غرناطة, وقد أقاموه في قلب الغابة المحيطة بقصر الحمراء (المهمبرا كما ينطقونها) تصور اللوحة الزيتية الكبيرة الملك العربى ابا عبد الله آخر ملوك غرناطة يسلم مفاتيحها في موقع (سانتافي) إلى ممثل ملوك الأسبان, ثم يجهش أبو عبد الله بالبكاء ويمضى موكبه الحزين إلى حيث تأمل شمس حضارة إنسانية ظلت زاهرة رائعة العطاء تحت ظلال الإسلام والعروبة على مدى ثمانية قرون من عمر الزمان. يومها ردد الزائر الغريب في الثمانينيات ما سبق وأنشده أمير الشعراء شوقي في مقتبل العشرينيات حين قال: خرج القوم في كتائب صم عن حفاظ كموكب الدفن خرس إلى أن قال يقصد أهل الأجيال الراهنة: حسبهم هذا الطلول عظات من جديد على الدهور ودرس وإذا فاتك التفات إلى الما ضي فقد غاب عنك وجه التأسي بعد كل هذا يلوح السؤال كيف عاد شوقي من منفاه في الأندلس؟ والجواب مجملا أنه عاد بفضل شجاعة رجال عرفوا قدره وقالوا في حقه كلمة حق وإنصاف. أما الجواب مفصلا فنحسب أنه خاتمة هذه الأحاديث عن سنوات الغربة والنفي والتأسي والحنين في حياة أمير شعراء هذا العصر الحديث.