لا يمكن ان تكون الادارة الامريكية الحالية غائبة عن ردة الفعل العربية والدولية حينما لمحت سابقتها الى أنها تدرس نقل سفارتها الى القدس كاعتراف ضمني بأنها عاصمة للدولة العبرية, ولا يمكن ان تكون الادارة الحالية ايضاً قد غاب عن عينيها مشاهد الغضب التي اجتاحت الشارع العربي حينما دنس شارون بقدميه القذرتين ساحة الأقصى, ولا يمكنها ان تتجاهل مقاطعة الصغار قبل الكبار البضائع الامريكية لصمتها على ممارسات اسرائيل الوحشية وفضائحها في قمع انتفاضة الاحرار. لا يمكن ان يحدث هذا التجاهل لموقف خطر بالنسبة للسياسات الامريكية الخارجية ومصالحها ووزير خارجيتها يعلن ان القدس عاصمة اسرائيل وان نقل السفارة الامريكية اجراء عادي جداً. لا يمكن لكولن باول ان يقول ذلك الا لأمر في نفس يعقوب, ومن قراءة لتذبذبات السياسة الخارجية الامريكية الجديدة يفهم تماماً ان هناك نوايا مبيتة ليس هدفها اتخاذ قرارات على شاكلة تصريحات وزير الخارجية, وانما الهدف منها هو رمي كرات سامة على طريقة الحلوى المتفجرة لجيش الاحتلال في طريق كل اشكال التقاربات العربية العربية وكل اشكال نزع فتائل الخلاف وكل أشكال الصحوات التي بدأت تشهد بوادرها الساحة العربية خصوصاً فيما يخص الملفات الساخنة وايضاً فيما يخص الاخرى الباردة.. ان شكلاً صغيراً وحتمياً مثل سوق عربية مشتركة بامكانه ان يقلق الآخرين لدرجة كبيرة لانها تماماً تدخل في اطار الانسلاخ التدريجي من التبعية التامة.. وان اشكالاً من مثل هذا النوع تساعد في لحمة العرب وربط مصيرهم والتقائهم على جبهة صمود واحدة هو أمر مقلق لدرجة الكابوس. الكرات النارية التي رماها كولن باول خلال الايام العشرة الماضية كانت واضحة وضوح الشمس بدءاً من زيارته المشؤومة للمنطقة وترويجه للعقوبات الذكية كتطوير لحصار العراق الذي قالت عنه امريكا انه شاخ وتبلد في مكانه, وانتهاء بالترحيب الحار لحكومة السفاح شارون واعلانه القدس عاصمة اسرائيل. يبدو ان كولن ما زال يعيش خارج اطار المشهد في الشارع العربي وانه ينسى تماماً ان تمرير مثل هذه التصريحات يمكنها ان تشغل الرأي العام العربي كثيراً عن جوهرياته.. واذا لم يتغافل كولن عن كل تلك المشاهد, واذا كان يعي ما يقوله او انه يخبئ وراءه مكعبات حلوى شارون فإنه ليس هناك سوى تفسير واحد قد يصل خطوط الخدعة ببعضها لتكتمل الصورة فهل يريد كولن مثلاً بعثرة اجندة محاور القمة العربية المقبلة لنحيد عنها وننشغل بالرد عليه؟! احياناً وفيما تكون جريئاً في صد الظلم عنك قد يتحول الظالم الى وسيلة اكثر دفئاً ومراوغة حيث تصبح المسألة اخطر من القمع المباشر تماماً...