أسوأ ما يمكن أن يصيب كاتب, هو أن تتعفن أوراقه في أدراجه, ولكن الأسوأ هو أن تكون تلك الأوراق مثل أوراق زهرة الخشخاش! القضية أن بعض الكتاب صاروا كالمقامرين, أوراقهم (أوراق كوتشينة), يبعثرونها على موائد السلاطين الخضراء, والسلاطين ليسوا فقط حكام الشعوب, فقد نجدهم في الصحافة والطرب وكرة القدم.. بل أن هناك (سلطان للطرشى!). لا عجب ولا اعتراض, فهذا زمان ديكه باض, وشربة الملح فيه تجوز لكل الاغراض.. فأي معارك تلك التي يزعمون أنهم شحذوا أقلامهم لها؟ أنهم بالفعل (يشحذون) بإقلامهم, يستخدمون مدادهم كالطلاء الذي تستخدمه عفيفات الملاهي الليلية.. ما هي العبارة؟, ماذا يدور في بعض الرؤوس التي تطل على الناس جبرا من السطور المطبوعة؟, هل ثمة رؤوس هناك بالفعل, أم أنها كعادة بائعي الصحف القديمة: أخبار المرأة التي أكلت ذراع زوجها, و(الكلب الذي ولد بذيلين) و(الراقصة التي اشترت أزياء بحفنة آلاف). لا أريد أن أطيل, فقط أريد أن أضع لافتة تحذير لأولئك الذين استهانوا بكل شيء في سبيل إثارة (فرقعة) وإدعاء (قضية) وافتعال (معركة), يريدون كما قالوا الاستشهاد فيها. فقد لاحظت ولا حظ معي قراء الصحف والمجلات السيارة خلال الفترة الأخيرة موجة عالية من الهجوم العاتي على ما يسمى (تيار السلفية والتجهيل في المجتمع), ودق السادة طبول الحرب, وفرغوا صفحاتهم ومحرريهم لهذه التجربة, وأعلنوا بين الناس أنهم سيدافعون عن (العقل العربي) و (الثقافة العربية), وحذروا الناس من غول الجهل القادم من كل إتجاه كي يدرس الأخضر واليابس, ويقضي على تراث شارع (محمد علي), و(كلوت بك), و(أمجاد العرب في شارع الهرم).. استصرخوا الناس أن يهبوا دفاعا عن مسرح (خذ الفلوس واجرى), وسينما (الباطنية), وتشدد كما لم يتشدد أحد من قبل, وتعصبوا حتى غلب تطرفهم تطرف ذلك الطرف الآخر الذي يطلقون عليه (تيار الجهل والظلام). بداية أخاطبكم على اعتبار أنكم بمفهوم المخالفة تيار النور, وأسألكم سؤالا ساذجا: أي ثقافة تلك التي تدعون أنكم فرسانها وشهداؤها؟, أليست هي الثقافة التي أتاحت لكم صفحات يدفع ثمنها الشعب, فتدخل في جيوبكم خيرا وبركة؟, وإذا كنتم بالفعل رواد هذه الساحة المسيطرين عليها سنين بلا عدد, مانحين مانعين كما يحلو لكم, كاتبين ما عن لكم بعد أن تحولت صفحاتكم إلى (عزب خصوصية) للمعارف والمحاسيب وأبناء السبيل, إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك ألا ترون معي وهذا هو السؤال أن (ثقافتكم) المزعومة كانت هشة ومزيفة بالدرجة التي أهتزت معها عند أول صدام؟ أو بمعنى آخر: ألا ترون معي أن تلك (الثقافة) ربما كانت وأقول ربما هي سبب مباشر أو غير مباشر لاجتياح تيار الجهل أو تيار الظلام كيفما يحلو لكم تسميته؟ ان ذلك السؤال البسيط الساذج يفتح مساحة واسعة للنظر, يعري استنادكم الكاذب والزائف إلى (شيء) لا وجود له سوى في أوهامكم وصراعاتكم التي تفضلونها دائما ضد طواحين الهواء. لن أثير البديهيات التي يكشفها هذا السؤال البرئ يا أقطاب (تيار النور), ولكن سأترك لحصافة من سيقرأ هذه السطور أن يقرأ ما بين السطور, فأنتم في قائمة الإتهام تحتلون رؤساء, وكيف لا وقد أودعكم المجتمع رأسه كي تحشونها كل صباح بما تسطرون في صفحاتكم وتطلقون عليه (ثقافة). قياسا على ما تقولون الآن, فأن المسألة لن تكون إلا واحداً من أمرين: فأما أن (نوركم) يا أهل العلم والنور كان مبهر بالشكل الذي أغشى أبصار الناس فضلوا السبيل, وإما أنه ليست هناك شبهة لأي نور ولا يحزنون. لن احيلكم إلى مجالسكم وما يدور فيها, ولا مواقفكم وما تدل عليه, بل ولن أقف أمام شخصياتكم (اللبلابية) التي تتسلق بالفعل بحثا عن (نور), ولكنه (نور) من نوع خاص جدا, أظنكم لا تجهلونه, بل ربما هو (النور) الوحيد الذي تعرفونه وتتقنونه. أنتم في الواقع مثقفون مع التجاوز بلا قضية, لذلك تبحثون عن أي إطار كي يحتويكم بشرط أن يكون ذلك الإطار متماشيا مع (الرايجة), ويكون (الولد) الذي (يقش), وفي نفس التيار أعني تيار النور! ان ما تفعلونه ليس إلا القاء للبنزين على جذوة منطفئة, وأزعم أنكم لن تضيفوا إلا مزيدا من الملامح لوحش خرافي غير موجود, وأنكم لمجرد إمتلاك قضية ذات أغراض ضيقة سوف تنفخون في ذلك (التيار المجهول), وتدفعون الناس بضيق أفقكم للتعاطف مع هذا الخطر الغامض الذي تتحدثون عنه. القضية لم تكن أبدا قضية حفنة من أبنائنا لهم رأي أو تصور للمجتمع, وأبرز مثال على ذلك هو تلك التجريدة التي تنقضون بها حيث لا عدو على الإطلاق, بينما تتعاملون عمدا وتديرون الظهر لقضايا واضحة وجبهات محددة تتطلب بالفعل عصارة فكرة أبناء الأمة المخلصين. ومع ذلك, فإذا سلمنا معكم بوجود خطر يتهدد العقل العربي, وهو يزحف في كل مكان وينتزع مواقعه في المجتمع, فهل ما تفعلونه الآن هو الوسيلة الحاسمة لمواجهة هذا الخطر كما تزعمون؟.. انكم تفعلون عين ما تنكرون: حيث أفردتم الصفحات شتما وسخرية من الذين تعلمون جيدا أنهم لا يمتلكون أي أداة لمجرد الدفاع عن النفس أو توضيح وجهة نظرهم, تدفعونهم للجدار, تصادرون على ذلك الخصم مجرد حق التعبير عن نفسه, وبعد ذلك تدعون أنكم تدافعون عن العقل! أي عقل يا سادة؟.. انتم أعلم بما تدافعون عنه, ولكن لا تظلموا معكم الشعب العربي العريق, فهذا الشعب لم يكن ولن يكون في حاجة لوصاية منكم على عقله ووجدانه, بل أنكم في الواقع لا تمثلون أحدا سوى ذواتكم الضيقة, تريدون أن تشعلوها نارا كي تدفئوا عليها غروركم المصطنع. فلا أظن أن رأيا لنفر من الناس, أو فلنقل لطائفة منهم, ينتقد كتابا أو يستنكر ما يراه مخالفا لعقيدته لا أظن أنه يمكن أن يثير ثورة (هؤلاء النوريين) الذين يدعون الليبرالية تارة, والماركسية تارة أخرى, ويغيرون مذاهبهم مثلما يغيرون ملابسهم الداخلية, المثقف الحقيقي لا يواجه (الجاهل) بنفس الأدوات التي يستخدمها ذلك الأخير هذا إذا صح ما يزعمون وإنما ينقب بحثا عن الجذور الحقيقية لمشاكل مجتمعه, ويجتهد للمساهمة في حلها, أما أنتم للأسف فلا تزيدون عن أورام سرطانية واتتها الفرصة كي تنتشر في نسيج المجتمع. أيها (النوريون) أنتم تعلمون قبل أي إنسان آخر مدى خوائكم وضحالتكم, تعلمون مدى انتهازيتكم وسلبيتكم, فرجاء ألا تزيدوا همومنا هما, و ألا تنذرونا بمصائب لا يتمناها إلا أنتم, فلن نكون أبدا تلك الصورة السوداء التي رسمتموها, وإلا لكان ذلك ممكنا في أحقاب أخرى كثيرة, وتأكدوا أن الظروف التي دفعت بكم إلى مواقعكم في غفلة من الزمن لن تدوم طويلا, ولسوف نضحك قريبا من قضاياكم التافهة ومعارككم الوهمية التي تريدون كذبا الاستشهاد فيها, وأنتم لا تصلحون سوى لشهادة واحدة: أعني شهادة عصر رديء.. ان الذي تفعلونه مع الكلام هو أنكم تثرثرون, ثم تجهضون أنبل المعاني وتفرغونها من عقل الأمة, تملأون الدنيا ضجيجا بينما تذيبون الفقرة بعد الفقرة, قطرة بعد قطرة في كؤوس أحماضكم فلا يبقى في الموضوع عاموده الفقري.. هل تخيل أحد كائنا بلا عامود فقري؟.. سيكون كائنا مكوما مثل كم مهمل, وهكذا هي كل موضوعاتكم.. تعتادون اللعبة. تمارسونها بحماس: تسقطون الفقرة الحاسمة فتصبح العبارة بغير جهازها التناسلي. ثم تتساءلون: أين الخصوبة؟.. وضعتم الكلمة في قفص النسانيس وطالبتم الناس بالتجمع حولها كي يرموا لها الموز والفول السوداني.. المصيبة أن البعض قد فعل ما هو أسوأ: أصطحب الكلمة إلى غرفة نومه, ولا يزالون يقولون: في البدء كانت الكلمة!.. ولكن أي كلمة؟! كاتب مصري