كانت تراقب ذلك الخيط الذهبي المنسكب من فوهة ابريق الشاي الى الكأس التي قاربت على الامتلاء عندما كسرت حاجز الصمت المخيم لتقول في تردد: ــ لا اعرف ان كان الظرف مناسباً للأسئلة التي أود طرحها أم أنك تفضل تأجيلها الى وقت آخر؟ نظر حوله باحثاً عن سبب لترددها متأملاً تفاصيل الزمان والمكان كانت الشمس تطل من خلف بقع متناثرة من غيوم توشّي الافق وقد آل شعاعها الى الانطفاء بعد ان تسلل اليه اللون البرتقالي مؤذناً باختفائها والبحر فاتح ذراعيه لاحتوائها. وعلى امتداد الساحل الذي تطل عليه الشرفة التي يجلسان بها كانت اشجار النخيل تنتظم في خطوط متسقة متوازية تتوزع بينها أشجار متنوعة أقل طولاً تكسر حدة خضارها مجموعة من الورود زاهية الألوان تداعبها ريح ربيعية خجلى أميل الى البرودة فتحرك أغصانها في تناغم أشبه ما يكون بحركات جوقة موسيقية تعزف لحناً رومانسياً هادئاً. كانت يده في طريقها لرفع كأس الشاي عندما علق متسائلاً: * وهل للظرف علاقة بما تودين طرحه من أسئلة؟ قال وهي تنظر الى الشمس المائلة للغروب في تؤدة: ــ ربما كنت غير راغب في افساد بهجة هذه اللحظة النادرة! قال وهو ينظر إليها باستغراب: * وهل فيما ستطرحين إفساد لبهجة اللحظة؟ قالت في حرج: ــ قلت ربما ولم أجزم, وقصدت مجرد النقاش في أجواء كهذه أعرف أنك تحبها وربما فضلت الاستمتاع بها في صمت. قال مبتسماً: * لا عليك.. تكلمي, فأنا في أحسن حالاتي, ولا أتوقع منك ما يفسد علينا نحن الاثنين بهجة اللحظة. قالت وقد شجعتها إجابته: ــ سوف تقول إنه سؤال مكرر سمعته مني عشرات المرات, وسوف أقول لك إنني لن أتوقف عن طرحه حتى تقنعني اجابتك, ولست مقتنعة حتى الآن, نظر الى وجهها الملائكي الجميل وظلال ابتسامته الأولى ما زالت مرتسمة على وجهه ثم قال بعد أن أخذ رشفة من الشاي: * توقعت ان تفاجئيني بموضوع آخر تغيرين به رتابة النتيجة التي نتوصل اليها كل مرة, ولكن يبدو أنني مازلت جاهلاً بطبائع النساء رغم الخبرة التي تزعمين انني اتمتع بها من واقع تاريخ حافل تنسبينه ظلماً لي. قالت وهي تحاول تجنب النظر في وجهه: ــ المشكلة أنك في كل مرة تتناول الموضوع بشكل مختلف, ولا تعدم وسيلة لايصالي الى النتيجة التي تريدها والاقتناع برأيك, حتى إذا ما خلوت الى نفسي وقلبت الموضوع على وجوه أخرى اكتشفت في حديثك جوانب وثغرات تجعلني اعيد حساباتي من جديد وأنسف كل ما توصلنا اليه, ويزيدني اقتناعاً بما اكتشفت رأي أستأنس به من احدى الصديقات فأزداد اصراراً على أنك لا تقول الحقيقة أو ربما تقول ما ترى أنه يجب أن يقال لواحدة مثلي متيمة بك لاترى الحياة الا من خلالك. قال والابتسامة تزداد اتساعاً على وجهه: * ها أنت تعترفين مرة اخرى بالعوامل الخارجية التي تؤثر على قرارك, ولو أنك لم تشركي احداً غيرنا في اتخاذ القرار لربما كنت قد أعدت حساباتك وتوصلت الى قرار آخر غالباً ما سيكون في صالحي. قالت ونبرة تحد بادية في كلامها: ــ إنك لا تحاول حتى أن تخفي أنانيتك وترفض ان تكون لي شخصيتي المستقلة! وعلاقاتي خارج إطار العلاقة التي تربطني بك كما ترفض ان يكون لي قراري الخاص. وقال وقد أخذت الابتسامة في التراجع والانحسار عن ملامح وجهه: * ومن قال ان الشخصية لا تكون إلا بالرفض واتخاذ المواقف المعاكسة, أليس الاتفاق شخصية ايضاً؟ قالت: ولماذا يكون الاتفاق على رأيك انت فقط؟ ولماذا لا يكون رأيي هو الذي نتفق عليه ولو مرة واحدة فقط؟ قال: وهل القضية هي ارضاء غرورك فقط أم ان هناك جانباً موضوعياً هو ما يجب ان تستند اليه نقاشاتنا؟ قالت: وماذا ستخسر لو أرضيت غروري ــ كما تقول ــ مرة واحدة فقط؟ أولست المرأة الوحيدة التي تقول إنها قد تربعت على عرش قلبك وملكت عليك كيانك؟ قال: انا لا انكر ذلك, ولكني لا أريد للمرأة التي احببت ان تكون مستبدة الى هذه الدرجة عندما أحببتك اعجبتني رجاحة عقلك وطريقة تفكيرك والمرونة التي رأيتك تتعاملين بها مع شئون الحياة المختلفة, فلماذا تريدين ان تفسدي علي متعة الاحتفاظ والاحتفاء بأجمل ما احببت فيك؟ ولماذا لا تحاولين ان تكوني مختلفة عن بقية النساء؟ قالت: انك تطلب مني ان اكون متبلدة الاحساس, ثم ما ادراني انك لا تعتبر ذلك ضعفاً في شخصيتي وتحاول ان تنفذ الي من خلاله؟ قال: ليس الأمر كذلك يا حبيبتي, ولست انتهازياً الى هذه الدرجة التي تصورينني بها وقالت وقد خفت حدة كلامها: لم أقصد ذلك, ولكنني أشعر بالضعف فعلاً إزاء حبك! قال: ومن قال ان الضعف دائماً عيب يجب ان نتخلص منه؟ ابحثي انت ايضاً عن نقاط ضعفي وتسللي إلي من خلالها, وتأكدي ان ذلك سيسعدني جداً. قالت بحنان: لكن المشكلة انك في كل مرة تقلب الأمور لصالحك وتعرف كيف تخرج من الموضوع بسلاسة الى الدرجة التي تجعلني أحتار في الامساك بنقطة ضعف أتسلل إليك من خلالها, وتزعجني تلك المسألة كثيراً. قال: مشكلتك يا حبيبتي انك تضيعين الوقت في البحث عن نقاط الضعف أما أنا فأحاول البحث عن نقاط القوة في علاقتنا لتعزيزها حتى وإن كانت الوسيلة إلى ذلك هي نقاط ضعفك التي تتوهمين, ومع ذلك فنحن معشر الرجال نذوب عشقاً في ضعف النساء وتأسرنا الدموع اكثر مما تؤثر فينا الأصوات العالية. أو لم تستمعي لشاعركن المفضل نزار وهو يقول: بعض النساء وجوههن جميلة ويصرن أجمل عندما يبكين؟ قالت وبوادر تراجع بادية في نبرات صوتها: ولكن هواجس كثيرة تلاحقني وتفسد علي بهجة اللحظات السعيدة التي أقضيها معك, صدقني لو قلت لك إنني أجدك غامضاً في كثير من الأحيان رغم السنوات الطويلة التي ربطتني بك! قال وقد عادت الابتسامة الى وجهه: ها أنت تبدين مرة اخرى التبرم من الأشياء الجميلة في علاقتنا وتريدين تحويلها الى علاقة عادية لا خصوصية لها. أو ليس الغموض هو ما يدفعنا الى قراءة الروايات ومشاهدة الأفلام ويشدنا إليها؟ ومع ذلك فأنا لا أرى نفسي غامضاً الى هذه الدرجة التي تتحدثين عنها. قالت بانفعال لذيذ: هذه احدى مشاكلي معك, انك غامض بالنسبة لي إلى درجة الوضوح, وواضح الى درجة الغموض! قال وقد اتسعت ابتسامته: وهل هناك غموض اكثر من هذا الذي تقولين؟ أنا الذي أطلب منك هذه المرة تفسيراً لكلامك هذا. قالت متجاهلة سؤاله: كم مرة حاولت ان استثير مكامن الغيرة فيك بحركات وأساليب مختلفة, ومع ذلك لم تعرني اهتماماً وتجاهلت كل ذلك. قال ضاحكاً: اعترف بأنني قد تعمدت ذلك لأفشل خططك الصبيانية هذه, فثقتي فيمن هوى القلب واختار العقل وسكن الفؤاد لا تترك مجالاً لذرة شك. قالت متذمرة: ما أسعدني بحبك وما أشقاني بتفكيري المتواصل فيك كأنه لم يخلق في هذا العالم سواك. قال ونبرة فرح طاغ لا تخفى في صوته: أما أنا فما أسعدني بحبك هذا وبهذا التفكير الطفولي الذي لم تنجح جولات طويلة من النقاش في تغييره كما لم تنجحي انت اليوم في افساد بهجة هذه اللحظة كما توقعت. كان ضياء الشمس قد انهزم وتراجع امام عتمة الليل عندما وصلا الى هذه النقطة من الحوار, وتبدل المشهد تماماً بعد ان اخذ القمر مكانه في وسط السماء عاكساً ضياءه على صفحة الماء الزرقاء. نظر إليها وفي عينيه اسئلة كثيرة لتبادره قائلة: ــ أرجوك.. لا تفسد علينا بهجة اللحظة.. فأنا التي لست مستعدة هذه المرة لحوار من أي نوع!!!