في حديثه نهاية الأسبوع الماضي الى مجلس النواب الأمريكي لم يترك وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أي هامش للتأويل بشأن السياسة التي قررت الادارة الامريكية الجديدة انتهاجها تجاه المسألة العراقية. فالمغزى الأساسي لحديثه هو أنه في الحقيقة ليست هناك سياسة امريكية جديدة في هذا الشأن رغم الحيل اللفظية التمويهية التي حرص باول على استخدامها أثناء جولته في عواصم عربية قبل أقل من أسبوعين. لقد قال باول للنواب الأمريكيين إن نظام العقوبات ضد العراق تريده واشنطن أن يشدد خصوصاً على المشتريات العسكرية. ومع أن واشنطن وفق ما قال لن تتبع نفس التشدد مع المشتريات لأغراض مدنية فإنه سرعان ما نبه النواب الى أن ذلك لا يعني تخفيفا للعقوبات. وأردف: (إن الحديث عن تخفيض العقوبات أو التواني حيالها ليس صحيحا. إننا نسعى الى اصلاح نظام عقوبات يتعرض للانهيار). ورغم هذا الشرح فإن ادارة بوش لم تأت بجديد. فماذا يعني باول إذن بقوله إن واشنطن لن تتشدد في السلع والتجهيزات التي يطلب العراق شراءها؟ لنستذكر أولاً كيف تعمل آلية تنفيذ العقوبات. فوفقا لهذه الآلية فإن الحكومة العراقية لا تملك أي سيادة على مواردها المالية من تصدير النفط وفق برنامج (النفط مقابل الغذاء). فالعائدات المالية للصادرات النفطية العراقية تذهب الى حساب مصرفي باسم لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة والتي تتكون عضويتها من ممثلين للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ــ الولايات المتحدة ومعها فرنسا وروسيا والصين وبريطانيا. هذه اللجنة هي التي تقرر, وليس الحكومة العراقية, كيف تنفق الأموال العراقية؟ ولكي نتبين معاني أقوال كولن باول يجب أن نشير أولاً الى ان اللجنة, بناء على أمر انشائها قبل عشر سنوات, تحظر انفاق أي أموال على مشتريات عسكرية. وعندما يقول باول إن واشنطن قررت الآن أن تمنع اجازة طلبات عراقية لشراء سلع أو تجهيزات لأغراض عسكرية فإن هذا من قبيل تحصيل الحاصل. وحديث الوزير الأمريكي عن تساهل أمريكي تجاه مشتريات العراق المدنية يعطي انطباعا وكأن واشنطن تريد اجراء تعديل في لائحة قوانين اللجنة الدولية للعقوبات لصالح العراق. إن الحديث على هذا النحو ينطوي على تضليل مقصود. إن قوانين اللجنة الدولية لا تتضمن أصلا نصاً يحظر عليها كلجنة قبول الطلبات التي تتقدم بها بغداد لمشتريات لأغراض مدنية مثل تجهيزات المستشفيات وقطع غيار محطات توليد الكهرباء وإعادة تأهيل خدمات المياه والتعليم... الخ. إن الذي جرى ويجري هو أن المندوب الأمريكي في اللجنة دأب على عرقلة عملها برفض اكثر الطلبات العراقية بمعاذير متنوعة.. كأن يقول إن الطلبات المتعلقة بمواد السماد الزراعي الكيماوية قابلة للاستخدام أيضاً لأغراض صنع أسلحة دمار شامل. وبما أن قرارات اللجنة يجب أن تتخذ بالإجماع فإن الرفض الأمريكي المتصل للطلبات المدنية العراقية أدى الى اصابة اللجنة بشلل. والواقع أن هناك الآن من الطلبات العراقية المدنية المحتجزة بسبب التعنت الأمريكي تربو قيمتها على ثلاثة مليارات دولار. وما يقصده كولن باول بحديثه الآن هو أن الولايات المتحدة سوف تتراجع الآن عن مسلك داخل اللجنة الدولية هو أصلاً مسلك خاطىء ومتحامل وغير إنساني. وعندما تعلن حكومات عربية أن هذه السياسة الأمريكية (الجديدة) تؤدي الى تخفيف العقوبات على الشعب العراقي فإنها تخدم بذلك أهدافاً دعائية أمريكية مضللة.