ما أن هدأت ثورة الشعب اليوغسلافي, التي هاجم المعارضون خلالها مبنيي البرلمان والتلفزيون الحكومي, كرمزين من رموز ما تبقى من أنقاض سلطة الرئيس اليوغسلافي المهزوم سلوبودان ميلوسيفيتش, والتي اعتبرت هذه الثورة بداية النهاية لاكبر مجرم حرب في التاريخ المعاصر, والذي أقر بعدها بهزيمته أمام المحامي فويسلاف كوستونيتشا البالغ من العمر 56 عاماً, من خلال صناديق الاقتراع, لينصب بعدها رئيساً للاتحاد اليوغسلافي, وسط بهجة أوروبية, وحالة من الحلم المبهر للكثير من معارضي ميلوسيفيتش وما تبعها من خطوات سياسية للكثير من الدول الغربية, التي أعلنت عن ضرورة تطبيع العلاقات مع مثل هذه الدول المنبوذة؛ حيث جاء أول وعد أوروبي غربي على لسان وزير خارجية بريطانيا روبن كوك بضرورة البدء بإزالة العوائق بين صربيا وأوروبا. وقد تبعه في ذلك التوجه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون آن ذاك, والذي اعتبر أن هزيمة ميلوسيفيتش, ضربة كبيرة لصالح الحرية. حيث لم يخبئ فرحه حينها بمقارنته بين هذا الحدث الكبير وبين سقوط جدار برلين, واعتبار هذا اليوم الذي رحل فيه ميلوسيفيتش يوماً للاحتفال. لكن على ما يبدو أن نشوة الفرح كانت لحظية, بحيث بدأت تختلف الرؤى للقوى الفاعلة على المستويين الأوروبي والدولي, انطلاقاً من المصالح الذاتية المحضة, وبدأت بعض صيحات النشوة بالانتصار التي ارتفعت, كردة فعل آنية, تتراجع بعد اتضاح معالم التغير الذي حصل داخل الاتحاد اليوغسلافي, بصفة خاصة, وقضية البلقان المتأججة بصفة عامة, بسبب الخلط الكبير والمفاجئ بالأوراق السياسية التي كانت مكشوفة على طاولة اللعبة المستديرة. وبدأنا نشهد حالة من إعادة الحسابات السياسية لدى جميع الأطراف, بما في ذلك حكومة الرئيس اليوغسلافي كوستونيتشا, الذي جاء مدعوماً من غالبية الشعب اليوغسلافي باعتباره المخلص المنتظر, والذي بدأ يواجه أوضاعاً مأساوية للغاية, فقد اعتبر البعض, أن معركته الكبرى بدأت منذ لحظة تسلمه. فهو بات معنياً أكثر من سلفه في ترتيب أوضاعه الداخلية, المتهاوية والتي تنذر بالكثير من المخاوف, خاصة وأن اقتصاد صربيا وصل إلى مستوى اقتصاد بعض الدول الإفريقية المتصارعة على المستوى الداخلي, وتسيطر عليه بعض عصابات المافيا الداخلية من مخلفات النظام البائد. ناهيك عن أن أكثر من 30 بالمئة من القوة العاملة أصبحت عاطلة عن العمل, بفعل ما ألحقته قوات الناتو من دمار رهيب, والمترافق بعد أكثر من ثماني سنوات من العزل والحصار. لكن على الرغم من الصورة السوداوية للواقع الاجتماعي الاقتصادي المستجد في تلك المنطقة من أوروبا, تبقى قضية البلقان قضية جغرافية وديموغرافية معقدة بسبب تعدد جوانبها خاصة الاثنية منها والمذهبية ببعديها الديني والسياسي, وأنها بوابة أوروبا من الشرق ومكثف كل صراعاتها الداخلية والمحيطة, بعيداً عن طبيعتها, وأن قضاياها وأزماتها, بشقيها المستترة منها أو المكشوفة والمفتوحة على كل الاحتمالات بما في ذلك الاحتراب العسكري, لا يمكن أن تحل بالحذق السياسي, كما يحلو للبعض أن يراها من هذا المنظور, وأنه لا يمكن لأي رئيس يوغسلافي أياً كانت اتجاهاته السلطوية والأيديولوجية التي تحكم سياساته, أن يتجاهل جملة المشكلات القائمة على أرض الواقع. لهذا السبب بالذات, حاول الرئيس اليوغسلافي المنتخب, أن يؤكد من جديد على وحدة الأرض اليوغسلافية في ظل مرحلة تعيش فيها صربيا أخطر مشكلاتها على الإطلاق والتي فاقت كل المشكلات التاريخية السابقة, انطلاقاً من حقيقة أن الاتحاد اليوغسلافي بدأ يتداعى وينفرط عقده , حتى مع أقرب المقربين, أي أبناء الصف الواحد, وأعني الجبل الأسود الذي خرج من حاضرتها, بموازاة ذلك بدأ اقليم كوسوفو يعمل على استحضار كل أشكال الضغوط السياسية وغير السياسية, ليصل إلى ما وصلت له جمهورية الجبل الأسود. لكن الأهم بالمسألة أنه عندما هدأت أفراح أوروبا الغربية بانتصارها, على الرئيس اليوغسلافي السابق, من خلال إثارة النقمة الشعبية العارمة عليه, بدأت تظهر الحقيقة المرة, لنصل معها بالقول أن الرئيس المنتخب كوستونيتشا, رغم ديمقراطيته, ومطالبته بسيادة القانون, إلا أنه كما يقال قومي حتى العظم, ولم يخف كرهه الكبير لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية تحديداً, ولعل كرهه ومقته لهذا التحالف, لم يقل قدراً بالكره لهذا التحالف عن مواقف رجالات العهد البائد, بل قد يكون أكثر من ذلك بكثير. خاصة وأنه بدأ حياته السياسية السلطوية, إزاء كوسوفو بخطاب قومي متشدد, بذات الطريقة والمفهوم, الذي انطلق منه ميلوسيفيتش في خطابه الناري عام , 1987 وله الكثير من العلاقات مع مجرمي الحرب الصربيين, أمثال رادوفان كارادزيتش. لكنه وانطلاقاً من القاعدة الانتهازية والمفهوم البراجماتي, هدف إلى شق الصف الأوروبي الغربي, المتحالف ضد يوغسلافيا, وقد نجح الرئيس الجديد فيما صبى إليه نسبياً, والنفاذ من قاعدة وحدة الاتحاد اليوغسلافي كمفتاح للاستقرار الأوروبي بشكل عام, وساعد في هذه القضية التقارب الروسي الفرنسي من جهة, والتطابق الفرنسي الألماني في السياسات الواجب اتباعها إزاء قضية البلقان, من جهة أخرى, خاصة وأن للثانية أهدافاً كبيرة جداً بسبب الاستطالات العرقية الدينية التي تجمعها على أقل تقدير مع الكروات. وقد يكون من اللافت, أن الولايات المتحدة وبريطانيا, بدأتا تشعران بخطر هذه التوجهات الثنائية أو الثلاثية, على مصالحهما في أوروبا, وتحديداً في منطقة البلقان, الموصلة إلى تركيا والشرق الأوسط وجمهوريات آسيا الوسطى وصولاً إلى العمق الروسي الذي لا يزال يشكل مكمناً للخطر, على مشاريع الولايات المتحدة. ومن هنا برزت الكثير من المصالح المتنافرة في تلك المنطقة, فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة رأت بأن رأسمالها في تلك البقعة هما الألبان الكوسوف ودولة ألبانيا, والكروات شيئاً ما, وأنه في ظل السياسات المستجدة لا بديل عن استخدامهم, في إطار توجهاتها البلقانية بحيث تدفع بهم نحو مقدونيا, التي تحظى بتحالف أرثوذكسي سلافي مع بلغاريا, وباعتبارها الخاصرة الجنوبية الرخوة لصربيا, حتى تؤكد من جديد أنها لا تزال تمتلك الكثير من أوراق اللعبة في تلك المنطقة المتأججة على كل المستويات والتي تنذر بالكثير من المفاجآت غير السارة, بل أنها لا تزال قادرة على توجيه دفة السياسات حياداً عن أهدافها, وحياداً على من يقف وراءها وعوامل قوتها. وقد ظهرت هذه الدوافع من خلال الاتهامات التي وجهت للقوات الأمريكية العاملة في قوات كفور, واعتبار أن عمليات الألبان ضد مقدونيا جاءت من المنطقة التي تشرف عليها القوات الأمريكية, حتى ذهب البعض الى القول ان القوات الأمريكية تختلف عن كل القوات المتواجدة في كوسوفو , فهي إما من السود الأمريكيين أو من الجنود الألبان المتطوعين. وهذا ما انطلق منه الرئيس المقدوني, بالقول أن القوات الأمريكية هي صاحبة القطاع الذي نفذ الهجوم الألباني من خلاله, وما حدث في جنوب كوسوفو, يعبر إما عن تواطئ القوات الأمريكية, أو عدم القيام بمهامها على أكمل وجه. بالمقابل لم تستبعد الكثير من التحليلات, أن الاندفاعة القومية لدى الصرب, وبقاء المؤسسات الأمنية والعسكرية على حالها, قد دفعت هؤلاء الصرب للعب في الخفاء وتنفيذ عدة عمليات هجومية ضد الصرب أنفسهم وبعض الجمهوريات والبلدان المحيطة, لمحاولة فض الغطاء السياسي الأمني عن البوسنيين, واعادة الاعتبار لوحدة الاتحاد اليوغسلافي باعتباره الأقدر على تقديم الأمن والاستقرار في تلك المنطقة, وبالفعل فقد كانت الخطوة العسكرية غير المحسوبة من قبل الألبان باتجاه مقدونيا, قد حققت مكاسب كانت تعتبر حلماً صعب المنال فيما مضى, وأدخلت الكثير من الدول إلى ساحة الصراع لمصلحة صربيا ومقدونيا. وهذا ما ظهر جلياً في بيان مجلس الأمن الدولي, الذي اعتبر رحباً بتحسن العلاقات بين حكومة بلجراد الجديدة وبعثة الأمم المتحدة في كوسوفو. وهذا الترحيب جاء اثر لقاء بين أعضاء في مجلس الأمن ورئيس الوزراء اليوغسلافي زوران زيزيتش, والذي من نتائجه أن حسنت صورة بلجراد من خلال العفو عن آلاف الشبان الذين سجنوا في عهد الرئيس السابق سلوبودان ميلوشيفيتش لرفضهم الخدمة مع الجيش الصربي. لتنقلب بعدها صورة الضحية إلى جلاد ولتخسر الكثير من المواقف الدولية المدافعة عنها, بسبب الأعمال التخريبية لبعض المجموعات الألبانية المتطرفة, التي نفذت في بعض بلديات جنوب صربيا, والتي اعتبرت تهديداً للأمن والاستقرار في منطقة البلقان بشكل عام. والتي دفعت هذه الأعمال مع الهجوم الذي تم على حدود مقدونيا بعيداً عن رجحان كفة هذا الطرف أو ذاك, لتعيد تحالفاً سلافياً كان قد غيب على أقل تقدير إلى الواجهة من جديد لاستخدامه في مواجهة الألبان في كوسوفو وألبانيا. وقد يكون التحرك البلغاري, كأول قطرة في الغيث المنتظر قدومه, إذا ما بقي الألبان مرتهنين لارادة الخارج. لكن الأهم في القضية, أن كل ما كسبه الألبان كما يقال في لغة التجار بالمفرق سيدفعونه بالجملة إذا ما بقوا مصرين على انتهاج مثل هذه السياسات غير محسوبة النتائج والقائمة أساساً على ردات الفعل, والمرتكزة إلى عوامل تحريضية خارجية, قد تكون خلفياتها توريطهم في مثل هذه العمليات حتى يتم الشروع في حل كل مشكلات المنطقة على حسابهم لانهم الطرف الأضعف في المعادلة. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق