في قلب القاهرة, وفي شارع واحد, كانت هناك ثلاثة أبنية متجاورة مثلت لمصر على الدوام مركز الدفاع عن الحريات, والنضال من أجل الديمقراطية وسيادة القانون.. فهنا تتجاور نقابة المحامين مع نقابة الصحفيين مع نادي القضاة الذين لا يسمح لهم القانون بانشاء نقابة, ولكن ناديهم كان وما زال جزءا من حركة وطنية عامة تتجاوز فيها هذه المؤسسات العزيزة عند كل المصريين دورها في الدفاع عن المطالب المهنية لفئة من فئات المجتمع, إلى الدفاع عن قضايا الوطن كله وتحمل هموم الأمة في كل العصور. في هذا الجزء العزيز من قلب العاصمة المصرية كتب المثقفون المصريون صفحات نادرة في تاريخ الدفاع عن الحريات, وحفروا بحروف من نور وبكم هائل من التضحيات مسارات تاريخية سواء في معارك الاستقلال الوطني أو بناء الدولة الحديثة أو القتال من أجل الديمقراطية. وهنا امتزجت معارك حرية الصحافة واستقلال القضاء بالمعارك ضد كامب ديفيد وبالنضال ضد التطبيع. وهنا كان ضمير الأمة يعلن موقفه الصارم ضد مؤامرات الفتنة الطائفية وضد محاولات إبعاد مصر عن أمتها العربية. في الفترة الأخيرة سيطرت حالة من الركود على المنطقة.. فنقابة الصحفيين تم هدمها لاقامة بناء حديث, ونقابة المحامين تعيش محنة فرض الحراسة عليها, والأمور هادئة في نادي القضاة, وفي كل مرة كان المرء يمر فيها في المنطقة كانت سحابات من الأسى تجتاح النفس, وكانت الذكريات تتداعى, وكان الأمل في يوم تعود فيه الحياة الى هذه المنطقة يقوى وينتعش.. وهذا ما حدث قبل أيام حين ذهبت بي الى هناك أحداث انتخابات نقابة المحامين التي أعادت الشرعية للنقابة العتيدة بعد سنوات عجاف قضتها تحت الحراسة. ومشكلة النقابات المهنية في مصر أنها كما أشرنا تحمل عبء الدفاع عن المهنة ومسئولية القضايا الوطنية.. وعندما يكون هناك توافق عام على قضايا الوطن تبرز قضايا المهنة. وعندما تختفي الحياة السياسية وتضعف الأحزاب أو تختفي ينتقل جزء من العمل السياسي الى ساحة العمل النقابي.. وقد لا يظهر ذلك في كل النقابات المهنية بدرجة واحدة, ولكن مثلث الحريات (الصحفيون والمحامون والقضاة) في قلب القاهرة كان على الدوام يعكس هذه الظاهرة. ولعل الصورة الواضحة لذلك كانت مع الأزمة الكبرى في أواخر عهد السادات, حيث أصبحت هذه النقابات مركزاً للعمل الوطني الذي شاركت فيه كل الفئات, وارتفعت فيها حركة المعارضة لكامب ديفيد والمقاومة لمخطط إشعال الفتنة الطائفية. ويومها هدد السادات بتحويل نقابة الصحفيين الى نادٍ في محاولة لكبح جماح المعارضة, وخاض معركة ضد الفعاليات السياسية والنقابية انتهت بوضع العديد من هذه الرموز في السجن في حركة سبتمبر قبل اغتياله ببضعة أسابيع. مع بداية عهد الرئيس مبارك برز مناخ من المصالحة الوطنية, ولكن الأمور لم تستمر كذلك بسبب عوامل كثيرة, وانتهى الأمر بأزمة عامة في النقابات المهنية كان نصيب نقابة الصحفيين منها محاولة فرض قانون مشبوه لمحاصرة الصحافة, وهو القانون الذي تم اسقاطه بعد حركة مقاومة هائلة من الصحفيين ومن كل فئات المجتمع ومنظماته المدافعة عن الحريات, وبعد استجابة الرئيس مبارك في النهاية للإجماع الوطني. أما نقابة المحامين فكانت ضمن نقابات عديدة أخرى ضحية أزمة أخرى جاءت بسبب نجاح جماعة الاخوان المسلمين في السيطرة على قيادتها.. الأمر الذي شكل تحديا للنظام أنهاه بفرض الحراسة على هذه النقابات, وإصدار قانون جديد للنقابات المهنية ينظم العملية الانتخابية ويضعها تحت اشراف قضائي ويشترطك مشاركة أغلبية أعضاء هذه النقابات في اختيار مجالسها, على أساس أن نظام الانتخابات في معظم هذه النقابات كان يتيح لأي جماعة صغيرة منظمة أن تحسم الانتخابات لصالحها. ورغم صدور القانون, فقد اضطرت الادارة الى فرض الحراسة لعدم يقينها من نتائج الانتخابات. فالمشكلة كما أوضحتها الانتخابات الأخيرة في نقابة المحامين لا يمكن تبسيطها في عامل واحد, وإنما تضافرت عوامل عديدة أدت الى انقلاب كامل في تشكيل الجسد النقابي للمهنيين في مصر. كانت البداية بالنسبة لجماعة الاخوان المسلمين بالذات هي السياسة التي لجأ اليها السادات في السبعينيات, حين قام بتشجيع الجماعات الاسلامية ومدها بكافة أشكال الدعم - من الأموال وحتى الخناجر بهدف مقاومة نفوذ الناصريين واليساريين في الجامعات المصرية.. وقد تحقق له ذلك ولكن الثمن كان فادحا.. السادات نفسه أغتيل, والنظام دخل في حرب طويلة مع أصدقاء الأمس الذين تحولوا الى العنف والإرهاب. لكن ذلك لم يكن حال الكثير من القيادات الطلابية في ذلك الوقت أو جماهير الطلبة الذين انضموا الى التيار الاسلامي في الجامعات ثم تخرجوا ليبدأوا حياتهم العملية ولينضموا الى النقابات المهنية, ثم يستغلوا بعد ذلك قدراتهم التنظيمية وضعف القوى الأخرى وتشرذمها لينجحوا في السيطرة على عدد كبير من النقابات المهنية وفي مقدمتها نقابات المحامين والأطباء والمهندسين, وليخلقوا وضعاً حرجاً للنظام.. فالقوة التي لا تتمتع بالشرعية لتمارس نشاطاً سياسياً تسيطر على أكبر النقابات المهنية, ولأنها محرومة من العمل السياسي المشروع في الخارج, فقد نقلته الى داخل النقابات, في الوقت الذي كانت الجماعات التي تمارس العنف باسم الاسلام تنشط في مواجهة الدولة. وتحركت الدولة ضمن مخطط واسع لمواجهة الموقف, وصعدت من ضرباتها لجماعات العنف ونجحت في حصارها, كما اعتقلت الآلاف من أنصار جماعات الاسلام السياسي, ثم توجهت الى معاقل الإخوان المسلمين في النقابات المهنية, فأصدرت القانون الجديد لهذه النقابات لتنظيم الانتخابات بها بحيث لا تفرز مجالس يسيطر عليها الاخوان, ولتفرض بعد ذلك الحراسة على بعض النقابات وفي مقدمتها نقابة المحامين, ثم تعطيل الانتخابات في نقابات أخرى انتظاراً لخلق ظروف أفضل بالنسبة لها. وقد استمرت الحراسة على نقابة المحامين زهاء ثماني سنوات انتهت بالانتخابات الأخيرة التي ستلقي بظلالها على مجمل الحياة السياسية لفترة طويلة. فقد خاضتها الحكومة بمرشح للنقيب ترضى عنه وهو رجائي عطية الذي كان محامي أبناء الرئيس مبارك في القضية التي أقيمت على صحيفة الشرق الأوسط.. وخاضتها جماعة الإخوان المسلمين بنفس منهجها السابق.. أي بالتحالف مع مرشح الحكومة لمنصب النقيب ومحاولة السيطرة على مقاعد المجلس. أما المعارضة فقد تقدمت بأكثر من مرشح لموقع النقيب كان أبرزهم المرشح الناصري سامح عاشور والوفدي أحمد ناصر. وكانت الحكومة تتصور أنها بمرشحها المدعوم من الإخوان قد ضمنت هذا الموقع. وأنها بعد الضربات الأمنية التي وجهتها لكوادر الإخوان سوف تتمكن من الفوز بأغلبية مقاعد المجلس أو على الأقل إقامة تحالف مع تيارات أخرى كالوفد والتجمع يسيطر على المجلس.. لكن النتائج جاءت لتمثل مفاجأة كاملة.. فالمرشح الناصري لموقع النقيب (سامح عاشور) فاز على مرشح الحكومة والإخوان (رجائي عطية) والمجلس فازت به قائمة الإخوان والتي لم تكن تضم غالبية منهم.. بل كانت تضم تسعة أعضاء إخوان من عشرين والباقي لحلفاء لهم من المستقلين ومن حزب العمل الموقوف ومن الوفد ومن الحزب الوطني أيضا! والقراءة السريعة لما أفرزته الانتخابات تقول إن الأحزاب السياسية تثبت مرة أخرى بعد انتخابات مجلس الشعب أنها لم تعد قادرة على التأثير في المجتمع أو التعبير عن هموم وتطلعات الفئات المختلفة, وأنها بلا استثناء تحتاج لاعادة بناء شاملة أو فلتلاقي مصيرها المحتوم. الحزب الوطني كان كما في مجلس الشعب هو أبرز الخاسرين. لا قيادة ولا جماهير ولا وجود فعلي في الساحة رغم الدعم الحكومي.. ومرشحه لمنصب النقيب حقق معجزة.. فهو بتأييد الحكومة والإخوان معاً لم يستطع الفوز, والمرشح الوحيد للحزب الذي نجح في عضوية المجلس نجح على لائحة الإخوان المسلمين. وحزب الوفد الذي كانت له السيطرة على نقابة المحامين لعهود طويلة نافس الحزب الوطني في الانتخابات. مرشحه للنقيب فشل بجدارة, والمرشح الوفدي الوحيد لعضوية المجلس الذي نجح كان على لائحة الإخوان. الناصريون نافسوا الإخوان في درجة النجاح, فمنهم النقيب وعضوان في المجلس. ولكنهم لم ينجحوا بسبب الحزب الناصري بل بالرغم منه! والنقيب الجديد للمحامين جمد عضويته في الحزب قبل الانتخابات, ولو ترك الأمر لقيادة الحزب لأيدت مرشح الحكومة كما فعلت في نقابات أخرى! ونصف الناصريين كانوا يقاتلون النصف الآخر في عضوية المجلس, ولولا الظروف والخبرة النقابية الكبيرة للنقيب الجديد سامح عاشور وضعف الآخرين.. لكانت النتيجة مختلفة. والأحزاب الأخرى بمن فيها الوفد والتجمع خرجت من الانتخابات صفر اليدين.. وبدا أن الكثيرين لم يستوعبوا المتغيرات الكثيرة التي حدثت في المجتمع وفي النقابة, والبعض أدرك حجم هذه المتغيرات ووقف عاجزاً عن التعامل معها. نقابة المحامين لم تعد نقابة الوزراء أو مشاريع الوزراء كما كانت في العصر الليبرالي, ولم تعد المحامين الكبار ولا الكوادر اليسارية التي دخلت من خلال القطاع العام بعد ذلك. هؤلاء جميعا أصبحوا قلة بعد أن تضاعفت أعداد المحامين في السنوات الأخيرة لتتجاوز 120 ألفا معظمهم من الشباب الذي يعاني ظروفا قاسية, والذي دخل النقابة بعد أن واجه أبوابا مسدودة في سوق العمل في ظل أزمة بطالة وركود اقتصادي. هؤلاء هم الذين اعتمد عليهم الإخوان المسلمون في السنوات الماضية واستمالوهم بتقديم بعض الخدمات البسيطة التي لم تعد الآن كافية لمعالجة المشاكل الطاحنة التي يعيشونها. وقد أثبتت الانتخابات أن معظم هؤلاء الشبان خارج السيطرة الحزبية, بدليل أن تحالف الإخوان والحكومة معا لم يستطع أن يؤمن لمرشحها لمنصب النقيب إلا 17 ألف صوت من أكثر من خمسين ألفا شاركوا في الانتخابات. بينما نال النقيب الناجح سامح عاشور أكثر من 19 ألف صوت من الذين وجدوا فيه مرشحا أكثر شبابا وأكثر إلماماً بمشاكل المحامين المهنية وأشد وضوحا في التعبير عن موقف قومي للمحامين المصريين تجاه قضايا الأمة.. خاصة وأن نقيب المحامين المصريين يتولى بحكم موقعه رئاسة اتحاد المحامين العرب. ويبقى السؤال الكبير: كيف يتعامل الجميع مع نتائج الانتخابات؟ رغم الهزيمة الكبيرة لمرشحي الحزب الوطني, بادر الرئيس مبارك بالاتصال بالنقيب الجديد وتهنئته وهو ما يعني قبول الأمر الواقع والتعامل معه. لكن الكثير سوف يترتب على تصرف الأطراف المختلفة. فهل سيسعى الإخوان للانفراد بالسلطة داخل المجلس كما حدث من قبل وكلف النقابة الكثير, أم سيستوعبون الدرس ويحاولون أن يكونوا طرفاً فاعلا في جبهة واسعة؟ وهل ستتكرر مأساة الصراع بين مجلس يسيطر عليه الإخوان ونقيب ليس في صفهم كما حدث مع المرحوم أحمد الخواجة؟ وهل ستترك المعركة الانتخابية المريرة آثارها على الجميع فيتمسك الجميع بخصوماتهم أم يدخلوا في تجربة جديدة للتعاون الخلاق لمجلس لا تسيطر عليه الحكومة ويواجه مشاكل هائلة تستوجب بذل كل الجهود من كل الأطراف؟ وهل يدرك الطرفان الرئيسيان داخل المجلس حجم المسئولية الملقاة على عاتقهما, وأن هناك من يتربص بالتجربة للانقضاض عليها؟ وهل تدفع الثمن نقابات مهنية أخرى كانت تنتظر دورها لاجراء الانتخابات فيها بعد أن تعطلت لسنوات؟ أهم ما في انتخابات المحامين أنها جسدت (مرة أخرى) واقعاً يخشى الكثيريون الاعتراف به, وكانت المرة الأولى في انتخابات مجلس الشعب قبل شهور. فالأحزاب السياسية عاجزة, والواقع الاجتماعي شديد التعقيد, والأوضاع الاقتصادية تحاصر الغالبية العظمى, والأجيال الجديدة تبحث عن حل وتتعطش للتغيير, ومشاكل الديمقراطية يحلها المزيد من الديمقراطية, والبحث عن عقد اجتماعي جديد أصبح ضرورة لمواجهة المشاكل, والوفاق الوطني بين كل القوى على قاعدة العدل والحرية يجنب المجتمع الكثير. نائب رئيس تحرير (الاخبار) المصرية