لدى الفرنسيين مصطلح يطلقونه على الهدايا التي يراد بها ايقاع الآخرين في التهلكة عن طريق اصطيادهم بشباك معسولة تماماً كتلك الهدايا التي طوقت بها (مونيكا لوينسكي) عنق كلينتون فجعلته اضحوكة العالم شهوراً طويلة, وكادت تسقطه من كرسي الرئاسة اثر مساءلة امام الكونجرس شهدها العالم أجمع.. هذه الهدايا عادة يسميها الفرنسيون الهدايا المسمومة. ومنذ ثلاثة ايام تقريباً أهدت لنا الادارة الأمريكية الجديدة (بوش وطاقمه الجديد) هدية يمكن اعتبارها ضمن الهدايا المسمومة عندما صرح وزير الخارجية الامريكي تصريحات غاية في الاستفزاز امام لجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس النواب الامريكي, فحوى هذه التصريحات اكثر من استفزازية, انها غاية في العنصرية وتجاهل الموقف العربي والضرب بكل العلاقات مع هذا العالم عرض الحائط, وكأن الأمريكيين يقولون وبصريح العبارة: الى الجحيم ايها العرب, فأنتم لا شيء على الاطلاق في حساباتنا, نحن ملتزمون مع دولة واحدة في الشرق الاوسط ولن نتخلى عنها او نغير التزاماتنا معها مهما فعلتم, انها الديمقراطية الوحيدة هناك في الشرق الاوسط, انها (اسرائيل)!! وزاد الطين بلة السيد (كولن باول) عندما قال: ان الرئيس بوش ما زال ملتزماً بنقل السفارة الى عاصمة (اسرائيل) وهي القدس!! وهي بالتأكيد هدية في غاية الأهمية بالنسبة لشارون وهو يدشن عهده كرئيس للحكومة خلفاً لباراك, برغم كل التوقعات السابقة بأن منهجيته المتطرفة, ومواقفه المضادة لمساعي الولايات المتحدة من عملية السلام ربما يكون لها تأثير في اتخاذ مواقف فاترة امريكية ازاء هذا السفاح, الا ان الشواهد تقول عكس ذلك, فأول الغيث قطرة, والقطرة هذه المرة تمثل تحولاً خطيراً في السياسة الامريكية. المصيبة, بل الطامة الكبرى ان احداً من قادة العالم العربي لم تحركهم هذه التصريحات, وكأن (كولن باول) كان يتحدث عن (قدس) على المريخ غير القدس التي يتباهى الجميع وأولهم قادتنا العرب بأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين, ومسرى نبينا الكريم, واطهر البقاع بعد مكة والمدينة, وارض الشهادة وقوافل الانبياء ورماة الحجر في وجه بني صهيون, وبأنها عروس المدائن وزهرة البلدان التي يعقدون لها المؤتمرات لأجل نصرتها ونصرة شعبها, ومع ذلك فإن تصريحات كهذه لا تحرك احداً. وحدها الامارات استدعت السفير الامريكي الى مبنى وزارة الخارجية, ووحده سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشئون الخارجية, حاملاً صوت الامارات قيادة وشعبا, طالب السفير بموقف محدد وتوضيح عاجل لتصريحات (باول) في اول موقف عربي صارخ من التصريحات الامريكية الاستفزازية. وهناك في نيويورك يتواصل زخم الموقف الاماراتي الاسلامي العروبي واضحاً حيث حمل السيد (محمد جاسم سمحان) مندوب الامارات في الأمم المتحدة, والرئيس الحالي للمجموعة العربية هناك بضرورة عقد اجتماع طارئ لبحث نشر قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان الاسرائيلي المتكرر واللامنتهي. اننا في كل مرة يأتي فيها رئيس جديد لامريكا نتوقع شيئاً مغايراً, وموقفاً حيادياً وعادلاً من قضية العرب الاولى خاصة وان امريكا تطرح نفسها للعالم باعتبارها القطب الاوحد وراعية السلام, لكننا في كل مرة نفاجأ بموقف اشد سوءاً من سابقه, وكأنه قدر علينا تصديق امريكا عندما تدعي صداقتنا, بينما تجيد غرس الخنجر في ظهورنا جيداً. ولقد صدق المتنبي حينما قال: ومن نكد الدنيا على المرء ان يرى عدوا له ما من صداقته بد رائع موقف الامارات.. رائع بكل المقاييس.. ولكن ماذا عن البقية؟ أم أنه لا توجد بقية؟!