ومن نكد الدنيا ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا لهُ ما من صداقته بُد تلجُّ دُموعي بالجفون كأنّما جُفوني لعَيْنيْ كل باكية خَدُ لا أدري لماذا تذكرت هذين البيتين من قصيدة (ومن نكد الدنيا على الحر) للشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي, وأنا اهم بكتابة زاوية اليوم.. هل ارتبط ذلك بوجود شاعرنا حاضرا وماثلا امامنا وشخصيته تجّسد عبر مسرحية تعرض في دبي الان؟ أم لاسباب اخرى مرتبطة في ذهني بصداقات وعلاقات هذا الزمان, التي طغت فيها المادية على الجوانب الانسانية.. وبات الحسد والحقد, هما العملة الاكثر تداولا, بل ان عبارات الغمز واللمز والانتقاص من قدر الاخرين هي السائدة. كما إنني لا ادري سبباً لتداعي الافكار في ذهني, والعودة بالذاكرة الى أبيات شعر لشاعر عربي قديم كان يشكو وهو يتألم من ظلم ذوي القربى, ومن حسد حاسديه, وحاولت ان اطابق بين حاله وحالنا الان فوجدتها متطابقة تماما مع ما نعيشه.. يقول شاعرنا: تورعت ان اغتابه من ورائه وما هو ان يغتابني متورع يضحك في وجهي اذا ما لقيته ويهمزني بالغيب سرا ويلسع والغريب في الأمر ان الذين يكيدون لك, ويكيلون بسيء القول عنك, هم ممن يدعون انهم أقرب الناس اليك, ويسعون لاسعادك وتفرحهم اخبارك السعيدة, وتؤلمهم كبواتك التعيسة.. ولكن في حقيقة الامر ان الرابط الوحيد بينك وبينهم (المصلحة) تلك التي تعود عليهم بالمنفعة وعليك بالمشقة, تكون لهم النعمة ولك النقمة. ان صداقات هذا الزمان بعضها مصالح, ونصفها مكائد, ومعظمها احقاد. فان كنت صاحب منصب رفيع اجتمع الناس من حولك وأسمعوك من كلمات الغزل ما يورد وجنتيك بحمرة الخجل أما اذا تركت المنصب او تركك انفضوا من حولك وتركوك نادما وحدك.. وان كنت صاحب ثروة ومال, تجد ان الكل اليك قد مال, فاذا جفت ينابيعك, فالكل سوف يبيعك. والمؤسف حقا انك اذا لم تقم بتلبية رغبة راغب فان نصيبك من سهام الغدر سيكون وافراً, وستوصف بأحط الاوصاف, وتتحول عندهم بين عشية وضحاها الى شخص جاهل وجاحد ومتكبر ومغرور, لا لشيء سوى انك لم تعد تلبي الرغبات وتحقق الطموحات. ماذا نقول؟ وهل نعيب زماننا, أم نعيب انفسنا لان العيب فينا.. يا أيها الباحثون عن صداقة المصالح عالجوا سوءات انفسكم وانبذوا كل ما هو طالح. نقطة اخيرة يصعب على المرء ان يكبح شهواته, ويستحيل عليه ان يشبعها, خاصة اذا كان حاسداً لانه يصبح مثل النار, ( والنار تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله).