لماذا تجمع القوى العالمية على معاداة نظام طالبان الحاكم في أفغانستان؟ إن قرار حكومة طالبان بتدمير تماثيل بوذية ذات قيمة تاريخية حضارية, على تعارضه مع المبادىء الإسلامية طالما أن هذه التماثيل ليست نقطة جذب لعبادة دينية داخل أرض أفغانستان الإسلامية, ليس بتلك الدرجة من الأهمية والخطورة بحيث يجمع على صعيد واحد بين الولايات المتحدة وسائر الغرب وبين روسيا والصين والهند, وبالتالي صدور قرار من مجلس الأمن الدولي من أجل ادانة طالبان. هذه القوى الدولية المتنافرة والمتضادة إن هي إلا تبحث عن ذريعة ثأرية لتقبض على حكومة طالبان متلبسة بأي فعل يمكن أن يعتبر ذا مأخذ من منظور المواثيق الدولية والأعراف البشرية. ولكل من هذه القوى سببها وشكايتها الخاصة تجاه نظام طالبان. تناول أي أطلس وانظر في خريطة جنوب غرب آسيا لتدرك على الفور مدى الخطورة الاستراتيجية لموقع أفغانستان (الجيو بوليتيكي).. وبالتالي مدى خطورة بقاء نظام طالبان بأجندته الاسلامية على قيد السلطة. والقوى الدولية, على تناقض أهدافها الاستراتيجية بشأن المستقبل السياسي لأفغانستان ليست معنية اطلاقا بما اذا كان التوجه الاسلامي لقادة طالبان مبنياً على تعصب للعقيدة أم تفقه واستنارة. ما يعني تلك القوى تحديداً, ويخيفها في آن معاً, هو الأجندة السياسية لذلك النظام الأفغاني. إن الموقع الجغرافي لأفغانستان يفضح القصة. فأفغانستان تمتد على رقعة كبيرة تحد شمالاً بدولتي, طاجكستان وتركمانستان, يعتبران البوابة الجنوبية لمنطقة آسيا الوسطى.. وروسيا. وعلى الجنوب الغربي تقع باكستان. وغرباً يمتد خط حدودي إيراني طويل جداً مع أفغانستان من (مشهد) شمالا الى (زاهدان) جنوباً. أما من الناحية الشرقية فإن الأراضي الأفغانية تحادد كشمير. وكل هذه بما فيها أفغانستان بلدان اسلامية. فما هي مرامي كل من القوى الدولية؟ تحت ظل حكم طالبان تطورت أفغانستان نوعياً كأكبر معسكر لتدريب كوادر قتالية من جميع أنحاء العالم الاسلامي. ومما يرعب الولايات المتحدة كدولة عظمى تفرض سيادة قسرية على العالم ان يكون للمد الاسلامي العالمي أسنان. وهنا نقطة التقاء بين الرعب الأمريكي والرعب الروسي. فأعداد خريجي معسكرات التدريب التي تشرف عليها طالبان تتضمن دفعات وراء دفعات من شباب بلدان آسيا الوسطى. وما تتخوف منه موسكو هو أولاً ان تنجح الثورات الاسلامية المسلحة في آسيا الوسطى في الاطاحة بالأنظمة الموالية لروسيا, وثانياً ان يندلق المد الاسلامي عبر الحدود فيبلغ مسلمي روسيا أنفسهم. وهذا التخوف الروسي يتناغم مع تخوف صيني. ففي اقليم سنكيانج الاسلامي في شمال غرب الصين يتفاعل تمرد محلي بقيادة تنظيم يرفع شعارا اسلاميا.. ويتطلع للمدد الخارجي نحو أفغانستان. وتخوّف الهند من تحالف بين طالبان والجماعات الجهادية في كشمير عبر الحدود ليس بحاجة الى بيان. وهكذا ظلت القوى الدولية تتحين أي ذريعة لإثارة ضجة عالمية ضد نظام طالبان. وإذا كان تدمير التماثيل البوذية فعلاً سيئاً (تبرع) به قادة طالبان الى خصومهم فإن العداء الأمريكي والروسي والصيني لذلك النظام الحاكم في أفغانستان يبقى قائماً بأسبابه الجذرية.