الذين لا يعرفون اليمن, لاشك أنهم فزعوا لحوادث العنف التي رافقت انتخاباته المحلية مؤخرا, وأسفرت عن سقوط القتلى والجرحى, لكن حال الذين خبروا اليمن ويدركون واقعه السياسي وخصوصياته الاجتماعية وموروثاته القبلية والطائفية, لم يكتشفوا في هذه الحوادث جديدا يدعو الى الانزعاج والقلق, ولأسباب ودوافع تبدو طبيعية وموضوعية, وذلك أن الشعب اليمني بحوزته من السلاح الأبيض والناري ما يفوق تعداده, واذا كانت القبائل الرعوية في جنوب السودان لديها الملايين من الأبقار, ولا دور لها أو فائدة من ورائها إلا كمظهر للثراء والتفاخر, فالسلاح أيضا بالنسبة لليمنيين عنوانا للرجولة والبأس والزهو, وآلية للدفاع عن النفس والذود عن حياض القبيلة وشرفها, وما استخدامهم للسلاح بشكل جماعي إلا حين يجد الجد, كأنما يكون رادعا لعدوان على الوطن, أو خروجا عن القانون والأعراف بشكل فردي على نحو ما شهدته اليمن في السنوات الأخيرة من حوادث الثأر والاغتيالات السياسية, حتى عمليات اختطاف الأجانب غالبا ما تتم تحت تهديد السلاح, ولكن دون استخدامه, من قبيل ممارسة الضغط على الحكومة أو شركات البترول الأجنبية, حتى تستجيب لمطالب القبائل وتحديدا قبيلة (خولان) في مد طريق في ناحيتها أو إنشاء مدرسة, وربما الافراج عن الرهائن سالمين, يلهجون بعبارة الشكر على كرم الضيافة وحسن المعاملة, ولم يحدث أن أسفرت تلك الحوادث لا عن قتلى ولا مصابين, إلا عندما تدخلت قوات الأمن بقوة السلاح لأول مرة منذ عامين للافراج عن السواح الأجانب الذين وقعوا أسرى لدى جماعة للتطرف الأصولي يتزعمها أبو الحسن المحضار, وأكدت التحقيقات مشاركة عناصر يمنية في الحادث, تحمل الجنسية البريطانية وتلقت تدريباتها العسكرية على يد ضباط انجليز سابقين! ليس هذا دفاعا عن الشعب اليمني.. فأهل مكة كما يقولون أدرى بشعابها وأولى بالرد على اتهامهم بالعنف, وذلك أن شيوع حمل السلاح في اليمن كان وليد مراحل تاريخية معروفة, بدأت بانهيار سد مأرب وانخراط اليمنيين أفواجا في جيوش الفتح الاسلامي, ثم مقاومة الاستعمار العثماني لليمن, مرورا بحكم أئمة بيت حميد الدين الذين اعتمدا سياسة تأجيج (حرب الخطاط) بين القبائل لكسر شوكتهم واستدامة العداء والثأر بينهم, بديلا عن دور قوات الأمن وكلفتها في حماية العرش واستتباب الأمن والاستقرار, فلما اندلعت ثورة 26 سبتمبر ,1962 كان السلاح جاهزا في أيدي القبائل وعامة الشعب للدفاع عنها أو تقويضها بحسب الولاء للجمهورية الفتية أو الإمامة المتخلفة, وتواصلت المهمة على صعيد دعم ثورة أكتوبر التي اندلعت في شطر اليمن الجنوبي للتحرر من الاستعمار البريطاني, وكذا دحر جحافل المرتزقة التي حاصرت صنعاء سبعين يوما في أعقاب انسحاب القوات المصرية من اليمن تحت قيادة الضابط الأمريكي كومر. وربما من واقع التحديات التي واجهت الثورة اليمنية لم تكن عناية النظام الجمهوري الجديد العهد في نزع السلاح من الشعب, حتى بعد انجاز الوحدة بين شطري اليمن, وباتت الظروف مهيأة لتعزيز الولاء للدولة وفرض هيبة السلطة المركزية على ربوع اليمن, ايذانا بالعد التنازلي للولاء القبلي وظاهرة شيوع حمل السلاح بالتالي, إلا أن هذا التغيير المطلوب اصطدم باشكاليتين: (الأولى), وتكمن في رفض الحزب الاشتراكي دمج القوات المسلحة وقوات الأمن في الشطرين لغرض في نفس يعقوب, وهو ما تحقق بالفعل عبر تدبيره للمؤامرة الانفصالية, مما استدعى من جديد دور السلاح في يد الشعب اليمني للدفاع عن الوحدة جنبا الى جنب مع قوات الشرعية الدستورية. أما الاشكالية (الثانية) فلأن بعض المرجعيات القبليلة ذات الدور التاريخي ومنهم الشيخ عبدالله الأحمر صاحب الدور التاريخي في الدفاع عن الثورة والوحدة, وزعيم (حاشد) وهي أكبر القبائل اليمنية يرفضون المساس لا بالقبيلة ولا ظاهرة حمل السلاح, بل ان هناك من يزعمون أنهم يرفضون أيضاً المساس بعادة مضغ القات. وهكذا رغم انتماء الشيخ عبدالله الأحمر والرئيس علي عبدالله صالح لأصول قبلية واحدة, ورغم التحالف السياسي الحاكم الذي يجمع بين حزبيهما 0 (المؤتمر, والاصلاح) إلا أن ما جرى في الانتخابات المحلية مؤخرا, إنما نذير بضرورات فض هذا التحالف, وذلك أن مرشحي وقواعد حزب الاصلاح ــ حسب أقوال الحكومة ــ كانت الأكثر عنفا واستخداما للسلاح والاعتداء على قوات الأمن, والادعاء بتزوير فرز الأصوات والتلاعب في النتائج التي أكدت فوز حزب المؤتمر بنصيب الأسد, ومن عجب ألا تشهد جولتين من الانتخابات النيابية أو الانتخابات الرئاسية التي أجريت في ظل الوحدة لا طلقة رصاص واحدة ولا قتيل أو نقطة دم واحدة, وأن يشهد لها المراقبون بالنزاهة والشفافية على غرار أعرق الديمقراطيات الغربية, بينما كانت الانتخابات المحلية من حيث الأخطاء التي شابت عمليات الاعداد والتنظيم مدخلا لتكريس النعرات القبلية والجهوية. ومن هنا بات من المتعين على الرئيس علي عبدالله صالح أن يتدارك الخطر قبل استفحاله, سواء بالتخلي عن زعامة حزب المؤتمر مدخلا للانفتاح والحياد بين الأحزاب, وسواء بالوفاء بوعده المؤجل لضرب الفساد والتسيب في مقتل, حتى يستعيد اليمن وجهه الحضاري السعيد.. وطناً للأمن والاستقرار والديمقراطية والرفاهية! صحفي مصري