كان جون كينيدي أصغر رئيس أمريكي دخل البيت الأبيض.. لكنه لم يستمر في الحكم سوى ألف يوم ويوم.. وقد مات قتيلا.. وسيما.. مبتسما.. وسط حشود الجماهير.. أمام عيون الكاميرات.. على طريقة نجوم السينما في مصانع الضوء والوهم في ستديوهات هوليوود.. فأصبح أسطورة خالدة.. يتوارثها الناس.. يصعب عليهم نسيانها. وقد ارتبطت هذه الأسطورة السياسية بأسطورة أخرى أنثوية.. فقد عرفته مارلين مونرو في حفل خيري وهو مرشح للرئاسة.. وأحبته من أول نظرة.. وفي طائرته الخاصة اكتشفت أنه أكثر رقة مما يتصور في نفسه.. وعلى ارتفاع 15 ألف قدم في الجو قال لها: (إن مهمتي في الحياة أن أحبك.. أنا لا أشعر أنني حاكم قوي إلا معك). وعندما سألته عن زوجته (جاكلين) قال: (إنها موظفة في البيت الأبيض بدرجة زوجة رئيس).. وعندما قالت له: (إن زوجته تشبه أنثى الزرافة قال لها: لا إنها تشبه ذكر الزرافة) وعندما قالت له: (إن المخابرات المركزية قد حاولت تجنيدها للعمل ضده) قال: (أنا أعرف أنهم جندوك بالفعل للعمل ضدي.. فأنا الرئيس الأمريكي.. والرئيس الأمريكي يعرف كل شئ). لكن الرئيس الأمريكي الذي يعرف كل شئ لم يعرف أنه سيقتل في عز الظهر.. وفي عز شبابه.. وأمام عيون الدنيا.. على الهواء مباشرة.. ولم يعرف أيضا أن مارلين مونرو ستجبر على الانتحار وهي في عز أنوثتها وعز شهرتها.. ولم يعرفا معا أنهما سيدخلان سجل الخلود.. ويصبحان أسطورتين من أساطير العصر. ولو أن جون كينيدي بقي على قيد الحياة لأصبح في أفضل الأحوال وأفضل الصور مثل بيل كلينتون.. مجرد حاكم سابق.. يتذكر الناس فضائحه أكثر مما يتذكرون فضائله.. وينظرون اليه بعيون الشفقة وهو يتسكع وحيدا في شوارع المدن الأمريكية الكبرى بعد أن كانوا ينظرون اليه بعيون الانبهار وهو يمرق على شاشات التليفزيون وكأنه أحد ألوان قوس قزح.. ولو مات بيل كلينتون أو قتل وهو في عز مجده لأصبح أسطورة أخرى على طريقة جون كينيدي.. إن الصورة التي يختفي عليها المشاهير هي التي تبقى في أذهان الناس الى أبد الآبدين. إنها الصورة الرومانسية العذبة التي اختفى عليها عبدالحليم حافظ.. الموعود هو وقلبه بالعذاب.. وهي الصورة التي صنعت أسطورته.. وأبقته مطربا ونجما خالدا.. يأتي المطربون بعده ويذهبون.. وهو قائم ومستمر.. ولو بقي على قيد الحياة لربما تعرض لعوامل التعرية.. ولراحت الأسطورة تتآكل وتتلاشى قبل أن تكتمل.. ربما كان مثله مثل محرم فؤاد.. ومحمد رشدي.. وماهر العطار.. وهم مطربو جيله. ولو بقيت مارلين مونرو على قيد الحياة حتى الآن لما كانت أسطورة المرأة الجذابة الساحرة المثيرة التي تشارك كل نساء العالم في أزواجهن دون أن تدري أنها قد ولدت.. ولو كانت قد ولدت فإنها لم تكن لتعيش.. ولو عاشت ما كانت ستظل بكل هذا البريق.. لقد كتب عنها مئات الكتب وملايين المقالات وعرضت حياتها على الشاشة في عشرات الأفلام.. ولا تزال صورتها على جدران حجرات المراهقين في البيوت والمدارس.. فقد ورثتها الأجيال المختلفة رغم تغير كل شئ.. لقد تغيرت الثياب والأفكار والأحلام ووسائل الحياة.. لكن بقيت مارلين مونرو على ما هي عليه.. صورة مرسومة بخيوط الضوء.. لا يقترب منها الزمن.. ولا تغير ملامحها الأيام.. ولا تقدر صورة أخرى على سحقها. لو بقيت مارلين مونرو على قيد الحياة فإنها كانت ستعاني مما عانت منه بريجيت باردو وصوفيا لورين وجين فوندا وغيرهن من نجمات السينما.. كانت مارلين مونرو ستشيخ وتترهل وتنتفخ وتضاعف من المساحيق والألوان وتشد جلدها أكثر من مرة حتى تتغير ملامحها وتنفجر مسامها.. لم يكن أمامها للحفاظ على ما تبقى من الشهرة إلا الخروج في مظاهرات للدفاع عن الحيوانات البرية مثل بريجيت باردو.. أو الانضمام للجمعيات التي تعالج النساء المغتصبات مثل جين فوندا.. أو قتل الوقت الممل بلعب (البوكر) مع إبعاد الأنظار عما جرى في ملامح الوجه الى مناطق أخرى مثل صوفيا لورين. وليس معنى ذلك أن على النجم اللامع أن ينتحر أو يموت مبكرا حتى يصبح أسطورة.. فهذا غير معقول وغير مقبول.. ولكن معناه أن يختار اللحظة المناسبة التي يختفي فيها.. ويختار الصورة المناسبة التي يختفي عليها.. وهي مقدرة وحكمة لا يقدر عليها غالبية المشاهير.. فهي في حاجة الى ارادة قوية.. وقدرة فائقة على الانسحاب دون هزيمة بالضربة القاضية.. فالضوء أعلى درجات الإدمان والانسحاب منه عملية نفسية شاقة لا يقدر عليها البشر في معظم الأحيان.. فليس مهما أن تصل الى القمة.. وإنما أن تحافظ عليها.. أو تتركها بكامل مشيئتك بدلا من أن تجبر على السقوط من فوقها الى القاع.. محطما.. مهمشا.. مبعثرا.. لقد عرفت ليلى مراد كيف تنسحب من الضوء في الوقت المناسب.. تركت لنا صورتها الحلوة الرشيقة الوديعة على باب شقتها التي اختفت وراء أبوابها وجدرانها.. لا تستقبل فيها إلا أقرب الناس اليها.. وعندما رحلت عن الدنيا تصورنا أنها رحلت على نفس الصورة التي نراها في أفلامها.. صورتها وهي تجلس على صخرة في وسط البحر وتغني (يا ساكني مطروح.. جنيه في بحركم.. والناس تيجي وتروح وأنا عاشقة حيكم).. وتصورنا أنها رحلت وهي تتمتع بنفس الصوت العذب الذي نحتفظ به في آذاننا.. لا تخيلنا تجاعيد الزمن تسيطر عليها.. ولا تصورنا أن البدانة عرفت طريقها اليها.. منتهى الذكاء. وعرفت نادية لطفي كيف تختار التحول بطريقة لائقة وذكية من التمثيل الى القضايا العامة.. انتقلت من مناقشة متاعب المجتمع على الشاشة الى مناقشة هذه المتاعب على أرض الواقع.. تركت الضوء المبهر في السينما الى البحث وراء قضية الأسرى المصريين الذين دفنتهم اسرائيل أحياء في حروبنا معهم.. وغيرها من القضايا الحيوية التي جعلتها تواصل حوارها الجذاب مع ما حولها. وطلت هند رستم برأسها بعد أن اعتزلت.. لكنها عادت مسرعة للاختفاء.. فبقيت صورتها في عيوننا على ذلك النحو الجذاب الذي تركته لنا في أفلامها.. وهي فنانة لن تتكرر.. تعرف أن الخلود في الأعمال الفنية.. وليس في التصريحات الصحفية والصور الاجتماعية.. وقد أسعدها أن تكون زوجة طبيب مشهور وأسعدها أكثر أن تدفعه الى مزيد من الشهرة.. فهي قد شبعت من الشهرة ولديها رصيد ضخم منها يكفي مئات الأشخاص. أما فاتن حمامة فقد كان ذكاؤها مثيرا للاعجاب.. فهي تعرف كيف تعيد تقديم نفسها الى الناس في مرحلة من مراحل حياتها الفنية.. فالفتاة اليتيمة المسكينة في بداية مشوارها الفني ليست المرأة الناضجة التي تدافع عن حقوق النساء وتريد الحلول لمشاكلهن وتعرف كيف تدير امبراطورية من الأولاد والبنات والمشاكل التي لم يواجهها جيلها.. ثم كيف تكون (أبلة) تتسم بالذكاء والحاكمة في مدرسة تواجه مجتمعا جديدا اختلطت فيه القيم والمعايير.. إنها فنانة تعرف كيف تختار أعمالها بدقة.. تعرف متى تبتعد ومتى تقف أمام الكاميرا؟.. تعرف متى تتكلم ومتى تصمت؟.. وقد أسعدني أن يكرمها اللبنانيون تكريم الرؤساء والزعماء.. وأسعدها أن تعيش بعض ذكرياتها الفنية في أماكن صورت فيها لقطات من أفلامها.. إنها تصرفت بنفس الذكاء الاجتماعي والفني المذهل الذي كانت تتمتع به أم كلثوم. إن أم كلثوم لم تكن موهبة صوتية خارقة فقط وإنما كانت شخصية متميزة أيضا.. فهي بجانب خفة الظل وسرعة البديهة وبراعة الاختيار الفني والوطني كانت قادرة على جذب الناس اليها لتعرف منهم ما يجوز وما لا يجوز.. ما يجب أن تفعل وما لا يجب.. والأهم من ذلك كله متى تغني (أراك عصي الدمع).. و(يا جمال يا مثال الوطنية).. ومتى تنسحب في هدوء بعيدا دون أن تعاند الأقدار؟. وشتان بين صورة النجمة المصرية الرومانسية الحالمة في بداية الخمسينيات ورموشها ترتعش من رؤية حبيبها الفقير الطموح الذي سيغير المجتمع وصورتها على هذا النحو أيضا وهي ملهوفة على حبيبها العائد بعد اجراء عملية خطيرة في القلب وصورتها الواقعية فيما بعد.. ولو توقف الزمن بها في المرحلة البعيدة لكانت قد انضمت الى عائلة الأساطير.. ولو كانت قد تركت الضوء في تلك الأيام لكانت حلما دائما لا تهدده واقعية ما جرى بعد ذلك. وربما لهذا السبب لا أميل كثيرا لرؤية أقرب الناس لي وهم على فراش الموت.. إن القدر في تلك الساعات يضعني في حرج نفسي لا أقدر بسهولة على الخروج منه.. لقد صعقني خبر اصابة الكاتب الصحفي (صلاح حافظ) وهو غير الصديق والزميل صلاح الدين حافظ في الأهرام بسرطان الحنجرة.. إنه الرجل الذي علمني في الصحافة مليون حرف فلم أصر له عبدا وإنما صرت له صديقا وشريكا في النجاح وتحدي المتاعب التي تفرضها علينا هذه المهنة.. رحت أتابعه في رحلة النهاية خطوة.. خطوة.. وقد أدهشني أنه كان يشرح لنا وهو طالب الطب السابق الذي غررت به السياسة والصحافة حالته وكأنها حالة شخص آخر.. وحتى آخر لحظة كان قادرا على منحنا الصبر على فراقه.. لكننا قبل النهاية مباشرة.. وعندما وجدت الموت يغير ملامحه.. ويجعل منه شخصا آخر لا نعرفه بدأت أتحاشى النظر اليه.. كنت أدخل غرفته في المستشفى لثوان ثم أجلس على بابه طوال الوقت.. وعندما رحل الى العالم الآخر وضعت كل صوره وأوراقه الخاصة في ألبوم خاص أصبح جزءاً من أيامي وتاريخي الشخصي والمهني. وربما لهذا السبب أنا مع ما تفعله سعاد حسني.. إنها مريضة في العمود الفقري.. وتعاني من آثار شلل في الوجه.. ويتناقض علاج شلل الوجه بالكورتيزون الذي يسبب زيادة في الوزن مع علاج عمودها الفقري المدقوق بمسامير تسبب آلاما صارخة لا يحتملها بشر.. وتمكث للشفاء في لندن.. وتحلم بالعودة الى مصر والوقوف أمام الكاميرا.. وتسجل ما تبقى من أشعار ورباعيات صلاح جاهين بصوتها.. ولكنها تريد أن تكون في مدينة بعيدة.. حتى لو كانت وحيدة.. مدينة يندر أن يعرفها فيها أحد.. فهي تريد أن تتصرف بحريتها دون أن يقارن الناس بينها الآن وبينها على شاشة السينما.. بينها الآن.. وبين (زوزو) في الفيلم الشهير الذي بدأ مشوار بقاء الأفلام لمدة سنوات في السينما. إن سعاد حسني نجمة لم تعرف السينما المصرية فنانة مثلها.. فهي وجه يمكن تصويره من جميع الزوايا.. وشخصية موهوبة تقدر على اداء كل الأدوار.. دور الفتاة البريئة والمتحررة في الوقت نفسه والتي يحبها في وقت واحد ثلاثة شبان على الأقل وهو الدور الذي بدأت به حياتها الفنية بعد أن قدمها الكاتب والفنان عبدالرحمن الخميسي في فيلم (حسن ونعيمة) وكان عمرها لا يزيد على 17 سنة.. ودور فتاة الطبقة الوسطى التي تحلم بالمجد ولا تقبل الاستسلام لظروف الواقع كما في أفلام كثيرة أخفها ظلا (عائلة زيزي).. ودور الفتاة المريضة نفسيا كما في فيلم (بئر الحرمان).. وهو دور لم تقدر ممثلة أخرى على تأديته بهذه البراعة الفائقة.. ودور ابنة الباشا القابض المسيطر والتي تعيش حياتها بالطول والعرض كما في فيلم (غروب وشروق).. وأدوارها الرومانسية الأخيرة كما في (الحب الضائع).. إنها كما وصفها الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين: (كوكتيل عبقري يجمع بين أودري هيبورن وفرح ديبا وفاتن حمامة).. وقد أسعدتنا كثيرا.. فلماذا لا نتركها تعيش حياتها بالطريقة التي تريحها؟ لقد عانت سعاد حسني منذ أول يوم فهمت فيه الحياة.. من متاعب عائلية وضعتها في ظروف يسيطر عليها التمزق بين الأب والأم.. وعانت من متاعب عاطفية وضعتها ظروف يسيطر عليها التمزق بين المال والابداع.. وقد اختارت الابداع والخلود والبقاء في ذاكرة الدنيا الى يوم القيامة.. لكن في الوقت الذي لم يعد فيه فنا ولا ابداعا وجدت ما جمعته من مال لا يكفي لعلاجها لشهور قليلة.. وتحمست الحكومة لعلاجها.. لكنها لم تواصل معها المشوار حتى نهايته.. وفهمت أنها تحتاج لمجرد علاج طبيعي متوافر في مصر فقررت التوقف عن علاجها على نفقة الدولة.. وهو خطأ لا أتصور أن الدكتور عاطف عبيد يتحمله.. فمهما كانت التفاسير واللوائح فنحن أمام حالة خاصة جدا اسمها سعاد حسني.. مهما قدمنا لها من مال لن نرد لها ولو جزءاً يسيراً مما قدمته لنا من فن ومتعة وشهرة رفعت اسم هذا الوطن عاليا. إن سعاد حسني التي تعرف معنى الخلود لا تريد أن تغير صورتها في عيون الناس.. وهذا حقها.. تريد أن تكون بعيدة.. ولو لبعض الوقت.. وهذا حقها.. تريد أن تعالج في لندن.. أو تبقى فيها.. وهذا حقها.. فلا تضعوها أمام مأزق حرج قد لا تحتمله.. فقد دفعت حياتها في سبيل إسعادنا فاتركوها في حالها تقرر ما تشاء.. وعلينا تنفيذ قرارها دون نقاش.. فالفنان شئ.. وخيل الحكومة التي تضرب بالرصاص في نهاية خدمتها شئ آخر. لقد نجحت في أن أتصل بها عبر الهاتف وجاء صوتها دافئا متميزا وقادرا على الانفعال كما هو وقد عبرت عن حبها للبشر والحجر في هذا الوطن بصورة ربما لم تعد موجودة عند الذين أساؤوا اليها.. وقد قالت انها تعالج في مصحة ريفية خارج لندن وأنها ستعود بعد شهرين.. وقد تمنيت ذلك.. لكن لو لم تعد هي حرة.. وواجبنا أن تكون مستورة ومستريحة سواء عادت الى هنا أو بقيت هناك.. فهي في البداية والنهاية.. سعاد حسني.. سعاد حسني.. إن النجم الذكي في السياسة والفن والرياضة والحياة العامة هو الذي يعرف كيف يبزغ؟.. وكيف يزداد بريقا؟.. ومتى يقرر الاختفاء ليبقى في أذهان الناس على النحو الذي يقرره في هذه اللحظة؟.. فلو كان مهما أن نعرف كيف نبدأ فالأكثر أهمية أن نعرف كيف ننتهي؟.. كاتب وصحفي مصري