للجنرال الفرنسي الشهير (شارل ديجول) قول مأثور تحول مع الايام الى درس سياسي على جانب كبير من الاهمية لكل سياسي او مهتم بالسياسة, هذا الدرس يتلخص في عبارة مؤداها: لا سياسة بلا خريطة, وقد كان ديجول ينصح رفاقه ووزراءه ومساعديه بأن يستشيروا الخريطة اولا قبل ان يبدوا رأيا في اي قضية سياسية, حيث تضيف الخريطة اليهم دائما شيئاً جديداً وستذكرهم بحقائق تبدو بديهية, لكنها في بعض اللحظات قد تغيب عن الذاكرة عندما تجرى الحسابات في زحام الحوادث. هذا الكلام جاء في مقال كتبه الاستاذ محمد حسنين هيكل ضمن ما عرف بـ (المقالات اليابانية) وقد تناول المقال درسا قيما في السياسة تلقاه الكاتب المصري الشهير في لقاء له مع ديجول عام 1967, وكان الحديث في ذلك اللقاء يدور حول ازمة الشرق الاوسط. ان درس ديجول (لاسياسة بلا خريطة) يمكن ترجمته بشكل آخر حيث يمكننا القول بأن الجغرافيا هي العامل الاول في صناعة التاريخ وتحريك الاحداث ويبدو اننا بحاجة الى النظر في الخريطة جيدا (خريطة الشرق الاوسط ومنطقة الخليج) فقد تلفت الخريطة نظرنا الى امور في غاية الاهمية والحيوية, خاصة وان العالم كله يتحدث عن العولمة وصراع الهوية, وخلل التوازن السكاني, وتعديل البنى السياسية والهياكل الادارية في بعض دول المنطقة وخاصة دول الخليج. ان الموجة العالمية الرامية للقضاء على الفساد بكافة اشكاله لم تأت من فراغ, فهناك حرب شرسة تدور في كواليس السياسة والاقتصاد والمنظمات العالمية وبيوت المال واكبر المصارف والمؤتمرات, هذه الحرب تواجهها الحكومات ضد شبكات غسيل الاموال, وتجارة المخدرات, والرقيق ومافيا خلخلة اقتصاديات الدول النامية مما يستدعي مواجهة ذلك كله بقوانين محكمة وصارمة تنفذها الدول المعنية. كذلك فإن التوجه العالمي نحو تبني المشاريع الاعلامية العملاقة سواء كان ذلك على هيئة مدن اعلامية او مناطق حرة, أو قنوات فضائية قوية, أو مؤسسات صحفية عملاقة أو.. الخ, توجه له مغزاه هو الآخر, فالدول تحشد ادواتها لاثبات نفسها وللدفاع عن وجودها ومشاريعها واجيالها ومصالحها, في مواجهة دول اخرى ومنظمات تحاول التغلغل في بنية المجتمعات, وبنية الاقتصاد, وبنية الثقافة وعقول الاجيال, من أجل فرض هيمنتها ونفوذها وبالتالي الحصول على نصيب الاسد من قيمة الفواتير والمليارات المتحركة في الاسواق. هناك توجه آخر يبدو واضحا جدا لنا هنا في دول الخليج, يتعلق بتعديل الاوضاع والهياكل السياسية والدستورية والقوانين المتعلقة بالعمال المهاجرين وسوق العمل وحقوق المرأة السياسية و.. الخ, هذا التوجه لا يبدو لنا انه يتم وفق رغبات فردية او مغامرات سياسية بقدر ما يتم اثر تفكير مدروس وموزون جدا لطبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بنا ومن هنا يبدو المنظر للخريطة في غاية الخطورة والاهمية, فالتغيرات على بعد خطوات منا, ما يعني ان امر تجاهلها ليس في صالح أحد. ان التوجه لموازنة الاقتصاد والثقافة, ولموازنة خلل التركيبة السكانية ولموازنة الحقوق السياسية للمواطنين, ولموازنة الانفاق الحكومي على مشاريع انمائية ذات مردود جيد, توجهات تنظر في الخريطة بتعقل وبشكل محسوب وهي نظرة مطلوبة ومهمة لصانع القرار ولأفراد المجتمع معاً, فالاخطار والتحديات كبيرة جدا وهي ليست خفية او بعيدة عن انظارنا واسماعنا, فالفضائيات والصحف وشبكات الانترنت تنقل لنا ما يجري على الواقع البعيد القريب بسرعة ووضوح تمكننا من قراءة الخريطة بشكل أفضل.