كثيرون صدمهم موت جمعة الفيروز. صدمتهم انه رحل دون ان يشعروا به, انهم نسوا لقاءه, وكانت طويلة مسافة الرحلة بين آخر مواعيد النظر اليه عن قرب, ولحظة الفراق. وأن الموت تذكره قبلهم. غاب وصدمهم ثانية انه ترك لهم دفترا كتبه في غرفة جدرانها سوداء, عرفوا قصة وجودها ووجوده بعد ان غاب. في هذا الدفتر شيء من حياته وآهاته, لم يكتب هذا الابداع الذي هو واقعه ومشاعر نفسه المتعبة, ليقدمه للناس, إنما ليخرجه من قلبه المشحون, يفرغه في دفتر (الخروج من العتمة). وخرج الدفتر من عتمة واقع صاحبه وما فيه من حاجات وبؤس وأوجاع, الا أن ظهور الكلمات جاء بعد ان رحل فارسها لتبقى مجرد خيال صورة مأساوية. لحظة ألم نشعرها عندما نقرأ تفاصيل العتمة, تخرج منه, من قلب الفيروز: (بعت ما أملك من أثاث منزلي, ونقلت أهلي الى منزل متهالك, في حي رخيص, وعندما نفدت مدخراتي عشت على قروض صغيرة من والدتي, وعلى ما كنت استطيع كسبه من بعض الأعمال الهزيلة المتفرقة, كتبت بضعة مقالات صحافية, وعلمت اصدقاء هاوين العزف على آلة العود.. ثم اعتذرت لهم عن عدم قدرتي على مواصلة الرحلة البائسة. كنا ضد الجوع.. وداء الكبد والرئة, ضد البنوك, كنا مع بؤساء عمال البلدية في الشوارع, منبوذين, كانت هذه هي المشاعر التي نصبها في أغانينا, وقد اتاح لنا الغناء في حفلات الزواج الحصول على الدراهم لشراء ادوات الاغراء الاجتماعي). ما حاول ان يقوله جمعة الفيروز رحمه الله بعد موته, هو واقع كثير من المبدعين اليوم في هذا الوطن. هاجس الاستقرار والبحث عن الحياة الكريمة, وأقل من ذلك اللهاث خلف مفهوم (الستر) ومحاولة خلق فرصة امان للحاضر الذي يعيشه, هذا الهاجس الذي يقلق فئة المبدعين, قد يحكم هذا القلق ان يضيع المبدع في الحياة وراء سراب تأمين رزق اسرته, فينسى حالة الابداع او يتعثر وتختلط عليه فواصل تقف بين الجيد الصحيح وبين المطلوب والمشكوك فيه. الابداع معاناة ولكن الفارق هنا بين معاناة خلق الابداع ومعاناة ايجاد سبل ضمان الحياة في عصر استهلاكي تحكمه المادة تبدو رحلة معاناة الحياة أشد وأقسى, وبالتأكيد انها تطمس روح العطاء الابداعي او انها تخلق شكلاً آخر من النتاج لا يأخذ مضمون الابداع الجميل. وكلنا يخسر اذا غاب المبدع الحقيقي, تنمو الطحالب ويزداد الغث الرديء, وتبدو ساحة الفكر والثقافة فقيرة بائسة, ويحفظ التاريخ الموروث صفحات بيضاء تحمل دلالات تدين العصر الذي تحمل تاريخه. في ظهر صفحة الجريدة التي حملت كلمات الفيروز من دفتره المخطوط, كان هناك موضوع يتحدث عن مبدع كويتي راحل هو محمد الفايز, تسرد السطور بعض اشعاره وجانباً من سيرة حياته: بدأ موظفا في وزارة الكهرباء, وعندما لمع اسمه بعد (مذكرات بحار) و(النور من الداخل) نقلته الدولة الى مكان قريب من جو الادب والثقافة الى وزارة الاعلام وعندما شعرت انه يضيق بقيود روتين العمل, وأن ذلك يؤثر على ابداعه, قررت دولة الكويت ان تفرغه للكتابة والشعر. قرار من الدولة لمصلحة الابداع, والمحصلة ان سمع العالم صوت محمد الفايز الكويتي, وبفضل مبدعيها استطاعت الكويت ان توجد لها مكانة خاصة في القلوب, وان يكون اسمها كبيراً ومميزاً في صفحات التاريخ. كم أديب واعلامي وشاعر وممثل مسرح وصاحب موهبة عندنا في الامارات, انهم يعدون على الاصابع ويتناقصون بشكل سريع وغريب, يبحثون عن سبل العيش والاستقرار على حساب فسحة الابداع فيهم, فهؤلاء حياتهم مرتبطة بالوظيفة, متى ما توقف الراتب, اصبحوا مهددين ضائعين, هل سمعتم عن استاذ جامعي او صحفي له مشاريع أو مدخول آخر؟ انه لا يملك الوقت, ولا يملك المعرفة الا في هذا الابداع, كثيرون لا يجدون السكن المناسب, وآخرون يحلمون باليوم الذي تنتهي فيه ديونهم التي تأتي وتكبر فوائدها دون ان تحقق لهم رغبة او نفعاً. ومن هذا الكثير الذي يحمل أثقال عائلة كبيرة من والدين واخوة, قدره ان يكون معيلهم. وهناك من أصابه الاحباط واليأس وقرر الصمت عن كل شيء. متى ننظر الى حال هؤلاء, متى نعطيهم الاستقرار في الحياة؟ إنهم لا يطلبون سوى الأمان والفرصة, ولحظة يبحثون فيها عن ابداع.